ذكر موقع “Middle East Eye” البريطاني أنه “بعد أن تم اعتبار “حزب الله” مهزوماً بعد حرب 2024 مع إسرائيل، فاجأ المراقبين بنشر قوة نارية كبيرة، وإدخال أسلحة لم يسبق لها مثيل، ومواجهة القوات
الإسرائيلية على طول الحدود، حيث كان يُفترض أنه لم يعد له أي وجود. إن صمود إيران في وجه آلة الحرب الأميركية الإسرائيلية وقدرتها على خوض صراع غير متكافئ ليسا العنصرين الوحيدين اللذين فاجأا المحللين في التصعيد الحالي في الشرق الأوسط، فقد كان أداء “حزب الله” في ساحة المعركة عاملاً آخر لا يقل غرابة، على الرغم من اعتباره ضعيفاً على نطاق واسع من قبل الحلفاء والخصوم على حد سواء. بعد اغتيال قيادته خلال الحرب الأخيرة وبعد تكبده خسائر فادحة، بدا أن الحزب يسير على طريق انحدار لا رجعة فيه. ولعل تقاعسه الواضح خلال الأشهر الخمسة عشر التي أعقبت وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني، على الرغم من وجود 10000 انتهاك موثق من قبل إسرائيل وفقًا للأمم المتحدة، عزز هذا التصور”.
وبحسب الموقع: “مع ذلك، فإن قرار “حزب الله” بفتح الجبهة اللبنانية في 2 آذار، إلى جانب حجم قوته النارية، وصمود وحداته البرية في الاشتباكات المباشرة مع القوات الإسرائيلية، واعتماد تكتيكات جديدة في ساحة المعركة، وفعالية هياكل القيادة والسيطرة الخاصة به، قد تحدى بسرعة سردية التراجع. وقال العميد المتقاعد إلياس فرحات للموقع: “من الواضح أن حزب الله قد أعاد بناء قدراته العسكرية”. وفي الواقع، يؤكد هذا التقييم مصادر إسرائيلية. ففي تقرير بُثّ على القناة الثانية عشرة الإسرائيلية في 4 نيسان، قال قائد القيادة الشمالية، اللواء رافي ميلو، في محادثة مسجلة مغلقة مع سكان كيبوتس مسكاف عام، إن الجيش الإسرائيلي “فوجئ” بقدرات “حزب الله” على إعادة التأهيل”.
قدرات إعادة تأهيل مذهلة
وبحسب الموقع: “تشير التطورات على أرض الواقع إلى دعم فرضية عودة “حزب الله” إلى الواجهة، وتفيد مصادر إسرائيلية بأن الحزب أطلق أكثر من 5000 صاروخ وقذيفة وطائرة مسيّرة على إسرائيل بين 2 و30 آذار. وعلى امتداد الجبهة الجنوبية اللبنانية، تزايدت الخسائر الإسرائيلية في الأفراد والمعدات العسكرية مقابل مكاسب محدودة نسبياً، حيث قُتل أحد عشر جندياً إسرائيلياً وأُصيب أكثر من 300 آخرين منذ بداية الحرب. ويقول “حزب الله” إنه دمر 136 دبابة ميركافا و26 مركبة عسكرية إضافية. وبعد أكثر من شهر من العمليات الهجومية، لا تزال القوات الإسرائيلية تواجه مقاومة شرسة. ولم تُحقق التقدمات التي تتراوح بين 3 و7 كيلومترات في بعض القطاعات التفوق الحاسم اللازم لتحقيق هدف إسرائيل المعلن المتمثل في إنشاء منطقة عازلة تمتد من الحدود إلى نهر الليطاني. وفي هذه المرحلة من الغزو، لا تسيطر إسرائيل إلا على 208.5 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 2% من الأراضي اللبنانية، ولا تزال بعض هذه المناطق محل نزاع، حيث تكافح القوات الإسرائيلية لفرض سيطرتها الكاملة عليها. وبدأت تظهر الآن أصوات داخل إسرائيل تدعو إلى تقليص أهداف الحرب، وتطالب بدلاً من ذلك بمنطقة عازلة أضيق تبلغ حوالي 3 كيلومترات”.
جيل ثالث من القادة
وبحسب الموقع: “تشير القدرات العسكرية التي ظهرت في الحرب الحالية إلى أن “حزب الله”، فور اندلاع نزاع عام 2024، شرع في جهد واسع النطاق لإعادة بناء هياكله العسكرية وتنظيمها، مستفيدًا من دروس إخفاقاته، وكانت أولى نقاط الضعف التي سعى الحزب إلى معالجتها هي اختراق المخابرات الإسرائيلية لشبكاته البشرية وأنظمة اتصالاته. ومنذ ذلك الحين، تولى قيادة الجهاز العسكري والأمني جيل ثالث من القادة والذين أعادوا هيكلة الحزب بشكل جذري. وقال فرحات: “أعاد الحزب بناء هيكل القيادة والسيطرة الخاص به، واستبدل القادة الذين سقطوا. وقد تكللت العملية بالنجاح. القادة الجدد شباب، ذوو تعليم عالٍ، ويحملون شهادات في مجالات علمية وتقنية. وتُظهر المواجهات الحالية مع الجيش الإسرائيلي سلوكًا مهنيًا رفيعًا ومعرفة عسكرية واسعة”.”
وتابع الموقع: “لمواجهة الاختراق المنهجي لأنظمة استخبارات “حزب الله” واتصالاته، يعتمد الحزب الآن على المذكرات المكتوبة بخط اليد، والرسل، ووسائل اتصال أخرى ذات بصمة رقمية منخفضة، ولعل هذا يفسر سبب عدم تمكن القوات الإسرائيلية، رغم الغارات الجوية المكثفة، من تحديد هوية القيادة العليا الجديدة والقضاء عليها حتى الآن. ولا يزال التنظيم الإقليمي السابق للجبهة الجنوبية، والذي يتألف من ثلاث وحدات هي بدر ونصر وعزيز، قائماً، إلا أن هياكل القيادة شهدت لامركزية كبيرة، حيث تم إنشاء أربعة مستويات قيادية لتجنب أي فراغات في القيادة في حال الوفاة أو الأسر أو العجز. وأضاف فرحات: “أعاد “حزب الله” تنظيم قواته في وحدات صغيرة واعتمد استراتيجية الدفاع المتنقل”.”
إعادة التسليح والتدريب
وبحسب الموقع: “حللت أمل سعد، الخبيرة البارزة في شؤون “حزب الله”، العقيدة القتالية المتطورة للحزب. وفي تغريدة لها على موقع X، وصفت هذه العقيدة بأنها “عودة إلى أشكال الحرب الهجينة التي سبقت الصراع الحالي”. وكتبت: “ما يُوصف اليوم بأنه تحول نحو خلايا أصغر، وروابط قيادة أخف، وقتال متحرك، وهجمات مفاجئة، ليس إلا عودة إلى “نموذج مغنية” التي شكلت حرب 2006″. يُذكر أن عماد مغنية، القائد العسكري السابق لحزب الله، اغتيل في دمشق عام 2008. ويعتمد “نموذج مغنية” على قوات متفرقة منظمة في وحدات صغيرة تجمع بين القدرة على الحركة بأسلوب حرب العصابات والمفاجأة التكتيكية مع القدرات المرتبطة عادة بالجيوش التقليدية. وأشارت سعد إلى أن هذا النموذج الهجين تمت دراسته في كتيبات الجيش الأميركي لأنه طمس التمييز التقليدي بين الحرب النظامية والحرب غير النظامية”.
وتابع الموقع: “يشير معدل إطلاق الصواريخ والقذائف المستمر باتجاه شمال إسرائيل إلى وجود قوة نارية كبيرة متبقية. وعلى الرغم من الضربات الإسرائيلية وعمليات الاستيلاء التي قام بها الجيش اللبناني، يبدو أن “حزب الله” لا يزال يحتفظ بمخزونات كبيرة، بما في ذلك جنوب نهر الليطاني. وقال فرحات: “استنادًا إلى التقديرات الإسرائيلية قبل حرب 2024 التي أشارت إلى امتلاك إسرائيل 150 ألف قذيفة، وادعاءها بتدمير 70% من هذا الترسانة، سيتبقى نحو 45 ألف صاروخ، وهو ما يكفي لاستمرار العمليات لعدة أشهر”. ولاحظ المراقبون أيضاً تنوع الأسلحة المستخدمة. فبالإضافة إلى نسخ مختلفة من صاروخ كورنيت الروسي المضاد للدبابات، أدخل الحزب منظومتي ألماس 2 و3 الإيرانيتين، ويمكن لهذه الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات أن تتبع مسارًا مرتفعًا، مما يتيح ضربات هجومية علوية يمكنها تجاوز أنظمة الحماية النشطة “تروفي” المستخدمة في دبابات ميركافا الإسرائيلية”.
مدى الوصول والقدرة على الصمود
وبحسب الموقع: “في 18 آذار، أطلق “حزب الله” قذيفة باتجاه عسقلان، على بُعد نحو 200 كيلومتر من الحدود، ما يشير إلى امتلاكه صواريخ بعيدة المدى وعالية الدقة، يُحتمل أن تكون من طراز فتح. كما أطلق الحزب صواريخ أرض-جو عشر مرات على الأقل منذ بدء الحرب، بما في ذلك استهداف طائرات إسرائيلية فوق الضاحية الجنوبية لبيروت في 28 آذار، ما يُرجّح إعادة تشكيل وحدات دفاعه الجوي. وفي السادس من نيسان، أعلن “حزب الله” إطلاقه صاروخاً على سفينة حربية إسرائيلية قبالة السواحل اللبنانية. وخلال حرب 2006، استهدف الحزب سفينة حربية إسرائيلية من طراز ساعر بصاروخ صيني من طراز C-802، ما أسفر عن مقتل أربعة بحارة على الأقل. وتشير تقارير غير مؤكدة إلى أن الحزب قد يمتلك الآن صواريخ ياخونت الروسية المضادة للسفن، والتي تفوق سرعتها سرعة الصوت”.
وتابع الموقع: “من التحديات الأخرى التي سعى “حزب الله” إلى التغلب عليها انقطاع خط إمداده بين إيران ولبنان عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024. وقد خفف الحزب من حدة هذا التحدي جزئياً بالاعتماد على شبكات التهريب القائمة على طول الحدود العراقية السورية والسورية اللبنانية. وأفادت سلطات دمشق بإيقاف عدة محاولات تهريب أسلحة إلى لبنان مؤخراً. وفي الواقع، لا يزال تقييم القوة القتالية لحزب الله أمرًا صعبًا، فالرقم الرسمي الوحيد الذي تم تقديمه جاء من الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله، الذي صرّح ذات مرة بأن الحزب يضم 100 ألف مقاتل. وفي تشرين الأول الماضي، نظّم “حزب الله” ما وصفه بأنه أكبر تجمع كشفي في العالم في المدينة الرياضية في بيروت، بمشاركة 75 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عامًا. وأفاد مصدر أمني لبناني للموقع أن “حزب الله” يُرجّح أنه يحتفظ بنحو 35 ألف مقاتل مدربين تدريباً عالياً، وقادر على حشد ما يصل إلى 50 ألف جندي احتياطي. وأشارت مصادر مُقرّبة من الحزب إلى أنه بحلول أواخر كانون الأول 2025، أبلغ القادة العسكريون الأمين العام نعيم قاسم باكتمال جهود إعادة الإعمار، وأن “المقاومة مستعدة لجولة جديدة من المواجهة”. في ذلك الوقت، رفض العديد من المحللين هذه الادعاءات باعتبارها دعاية لرفع الروح المعنوية تستهدف قاعدة دعم منهكة، لكن التطورات على أرض المعركة تشير الآن إلى خلاف ذلك”.
الخطة البديلة الإسرائيلية
وبحسب الموقع: “بعد عجزها عن تحقيق اختراق عسكري حاسم ضد “حزب الله”، يبدو أن إسرائيل قد لجأت إلى الخطة البديلة: استراتيجية شنّ ضربات عقابية واسعة النطاق تستهدف ليس فقط الأحياء ذات الأغلبية الشيعية، بل أيضاً المناطق ذات الكثافة السكانية السنية والمسيحية العالية. ففي الثامن من نيسان، وبعد ساعات فقط من إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية موجة من الغارات وُصفت بأنها غير مسبوقة من حيث النطاق والشدة والامتداد الجغرافي. واستهدفت عدة غارات بيروت بأكملها، بما في ذلك أحياء مختلطة ومناطق ذات أغلبية سنية، مما يُشير إلى توسع ملحوظ في نطاق الحملة. ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية في لبنان”.

