كتب حسين خليفة في ليبانون24:
مجدّدًا، نجحت إسرائيل في اغتيال أحد كبار قادة “حزب الله”، يوسف إسماعيل هاشم، الذي تصفه بأنه قائد الجبهة الجنوبية في الحزب، فيما أرفق الأخير اسمه في بيانات النعي بوصف “القائد الجهاد الكبير”، لتوجه رسالة بالغة الدلالة للحزب بأنّ الخرق في صفوفه مستمرّ، وأنه رغم كلّ الإجراءات التي يتّخذها لا يزال عاجزًا عن حماية أرفع القادة في صفوفه.
وما هي إلا ساعات بعد الاغتيال “النوعي” الذي قد يكون الأول من نوعه في هذه الجولة من الحرب، على مستوى القيادات والكوادر النوعية، حتى انتقلت إسرائيل إلى نوع آخر من الضغط، هذه المرة على مستوى البيئة التشغيلية والمالية، وتجلّى ذلك بالإنذار الذي وجّهته لصرّافين زعمت أنهم “يعملون في خدمة الحزب”، طالبة من اللبنانيين الابتعاد عنهم وتجنّب أي تواصل معهم.
هكذا، تجمع تل أبيب بين مستويين من الضغط في آنٍ واحد، لترسم مشهدًا يتجاوز العمل العسكري التقليدي، يكاد يكون محاولة لدمج الضغط الأمني والمعنوي الناتج عن تصفية الكوادر، بالضغط العملياتي الذي يستهدف “البيئة التشغيلية” الأوسع. فماذا تقول رسالتا إسرائيل الجديدتان إلى “حزب الله”؟ وما الذي يعنيه هذا الدمج بين “الرصاصة” و”الليرة” إن جاز التعبير؟
الخرق المفتوح في صفوف “حزب الله”
في المبدأ، توحي القراءة المتأنية للتطورات بأننا أمام استراتيجية “تضييق خناق” ممنهجة تمارسها إسرائيل ضد “حزب الله”، لترفع كلفة الاستمرار في الحرب على الصعد كافة. فالمسألة لم تعد تقتصر على مواجهة المقاتلين في الميدان، بل امتدت لتشمل كل من يقود ومن يموّل ومن يسهّل الحركة اللوجستية، وهو ما يضعنا أمام مرحلة جديدة من المواجهة، حيث يوظَّف التفوق الاستخباري لضرب القيادات والقنوات الإسنادية في وقت واحد.
بهذا المعنى، يمكن قراءة الاغتيال الأخير، بعيدًا عن لغة المبالغة أو التهوين، بوصفه خرقًا جدّيًا، لا تفصيلاً عابرًا، فهو لا يعني بأي حال من الأحوال تفكيك الحزب أو دفعه نحو الانهيار الوشيك، لكن أهميته تكمن بالدرجة الأولى في رمزيّته، إذ إنّ إسرائيل تقول من خلالها إنّ منظومة الحزب لا تزال قابلة للاختراق أو التتبع أو الرصد بما يسمح بتحويل التفوق الاستخباري والجوي إلى إصابة موجعة.
وعليه، فإن الاغتيال في هذه المرحلة يمثل رسالة استمرارية مفادها أن بنك الأهداف القيادية لم ينضب، وأن تل أبيب مستعدة للذهاب بعيدًا في ملاحقة “العقول المدبرة” بالتوازي مع استمرار المواجهات البرية والجوية. وبالتالي، فإنّ هذا الضغط الأمني المتواصل يهدف إلى إشعار الحزب بأنه مكشوف تمامًا أمام التكنولوجيا والاستخبارات الإسرائيلية، وهو ما يضع قيادة الحزب أمام تحدي “الترميم السريع” للثغرات الأمنية في ظل ضغط الحرب المتصاعد.
التهديد العلني للبيئة التشغيلية
في الموازاة، يبرز الإنذار الإسرائيلي الموجه للصرّافين كعنصر مختلف ومستجد في المعركة المالية. صحيح أن إسرائيل استهدفت سابقًا مؤسسات مثل “القرض الحسن”، لكن إشهار تسمية مكاتب الصيرفة والأدوات المالية الرمادية اليوم يحمل أبعادًا جديدةً. فإسرائيل تعلن بوضوح أن هذه الشبكات باتت جزءًا من “بنك التهديد”، وهي رسالة موجهة مباشرةً ليس فقط للحزب، بل لكل من يتعامل مع هذه القنوات في السوق اللبنانية.
بهذا المعنى، تريد إسرائيل أن توسّع تعريف “الهدف” من القيادات والمخازن والمواقع إلى الشبكات التي تعتقد أنها تؤمّن المال والحركة والمرونة. وهذا التطور مهم للغاية لأنه يوسع دائرة الضغط من “البنية العسكرية” الصرفة إلى “البيئة التشغيلية” التي تتيح للحزب الحركة والتكيّف. وتهدف إسرائيل من خلف ذلك إلى خلق حالة من العزلة المالية واللوجستية حول الحزب، مما يحد من خياراته في المناورة وتأمين الموارد الضرورية لاستكمال المعركة الطويلة.
عمومًا، يعكس هذا الدمج بين المستويين العسكري والمصرفي رغبةً إسرائيليةً في محاصرة الحزب داخل مربعات ضيقة، فمن جهة تستمر تل أبيب في استنزاف البنية القيادية، ومن جهة أخرى تشهر سلاح التهديد المباشر ضد القنوات المالية التي تؤمن الحركة والتعويض والترميم. إنها رسالة مزدوجة لا تكتفي بالقول “نحن نراكم”، بل تضيف إليها “ونحن نعلم كيف تتحركون ماليًّا”، وهو ما يضع الحزب وبيئته الإسنادية أمام ضغوط متزايدة تتجاوز حدود الجبهة المشتعلة في الجنوب.
في المحصلة، الواضح أنّ تل أبيب تجمع الآن بين أدوات ضغط متعددة في آن واحد، محاولة إرسال رسالة متكاملة لـ “حزب الله” مفادها أن الحرب لا تقتصر على خطوط الجبهة، بل تطال كل الدوائر الإسنادية والقيادية والمالية. فإن الجمع بين ضرب “من يقود” وتهديد “من يموّل” لا يشي بتحول كامل في طبيعة الحرب، بقدر ما يكشف عن توسيع متدرج لأدوات الضغط الإسرائيلي على الحزب، من البنية القيادية إلى الدوائر الإسنادية والمالية. وهذا ما يمنح الرسالة الإسرائيلية الجديدة ثقلها الحقيقي في هذه المرحلة.

