كتب اندريه قصاص في ليبانون24:
سؤال بديهي يخطر على بال كل لبناني، إلى أي فئة حزبية انتمى، وهو أنه لو جاء طرح رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الداعي إلى فتح باب مفاوضات مباشرة مع
إسرائيل قبل سنة مثلًا، هل كان سيؤتى ثماره أكثر من طرحه في هذا الظرف العصيب، الذي يمرّ فيه لبنان، خصوصًا في ظل حرب شرسة بين إسرائيل و”حزب الله”، وهي حرب مستمرة وطويلة على كل المستويات والتوقعات؟
هذا الطرح قوبل بموجة واسعة من النقاش السياسي في الداخل اللبناني، بين من رأى في هذه المبادرة محاولة واقعية للخروج من دوامة الحروب المتكررة، وبين من اعتبرها خطوة محفوفة بالمخاطر قد تفتح الباب أمام مسار سياسي لا يحظى بإجماع داخلي. وفي بلد اعتاد أن يكون ساحة لتقاطع الصراعات الإقليمية والدولية، لم يكن من السهل مرور هذه الدعوة من دون إثارة تساؤلات عميقة حول خلفياتها وتوقيتها وأهدافها.
من حيث المبدأ، لم يكن لبنان يومًا بعيدًا عن منطق التفاوض مع إسرائيل، ولو بوساطة دولية أو عبر قنوات غير مباشرة. فقد شهدت السنوات الماضية أكثر من تجربة تفاوضية، كان أبرزها الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية الذي تم برعاية أميركية، وأثبت أن الدولة اللبنانية قادرة، عندما تتوافر الإرادة والظروف، على إدارة ملفات شديدة الحساسية عبر أدوات سياسية وديبلوماسية بدلًا من الانزلاق إلى المواجهة العسكرية المفتوحة. ويُقال إنه لولا موافقة “حزب الله” لما كان هذا الترسيم قد أبصر النور، مع العلم أن إسرائيل هي التي استفادت من هذا الاتفاق فيما لا يزال لبنان يبحث عن غاز ونفط في عالم الغيب والامنيات.
غير أن ما يميّز الطرح الحالي هو انتقال النقاش من مستوى التفاوض غير المباشر إلى فكرة المفاوضات المباشرة، وهو تطور يحمل في طياته أبعادًا سياسية تتجاوز مجرد معالجة ملف تقني أو حدودي. فالمفاوضات المباشرة، إذا ما حصلت، ستعني عمليًا فتح صفحة جديدة في إدارة الصراع بين البلدين، حتى لو لم يكن الهدف منها الوصول إلى اتفاق سلام شامل بقدر ما هو محاولة لتثبيت قواعد اشتباك جديدة تمنع تكرار الحروب.
ويأتي هذا الطرح في توقيت بالغ الحساسية، إذ يعيش لبنان واحدة من أكثر مراحله صعوبة على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية. فالبلد الذي أنهكته الأزمات المتراكمة لم يعد قادرًا على تحمّل كلفة حروب جديدة أو مواجهات طويلة، خصوصًا في ظل الانهيار المالي والضغط الاجتماعي المتزايد. ومن هنا يمكن فهم مبادرة رئيس الجمهورية على أنها محاولة لفتح نافذة سياسية تتيح تخفيف حدة التوتر على الحدود الجنوبية وإبعاد شبح التصعيد وامكانية الاجتياح البرّي.
لكن هذه المبادرة لا تحظى بإجماع داخلي، إذ يرى معارضوها أن أي حديث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يصطدم بواقع سياسي معقد، في ظل وجود قوى لبنانية، وفي مقدمها “حزب الله”، تعتبر أن الصراع مع إسرائيل لا يزال صراعًا مفتوحًا لا يمكن حسمه عبر المفاوضات. ومن وجهة نظر “حارة حريك”، فإن أي خطوة من هذا النوع قد تُفسَّر على أنها تنازل سياسي يمنح إسرائيل ما عجزت عن تحقيقه عسكريًا، خصوصًا أنها جاءت في ظل استمرار المواجهة على الحدود.
ويستند هذا الموقف إلى قناعة راسخة لدى قيادة “الحزب” بأن معادلة الردع التي تشكلت خلال السنوات الماضية لا ينبغي التفريط بها، وأن استمرار الضغط العسكري هو الذي يفرض في النهاية شروط التفاوض. لذلك يصرّ “حزب الله” على أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تأتي نتيجة موازين قوى واضحة، لا نتيجة ضغوط سياسية أو دولية.
وبين هذين المنطقين، يقف لبنان مرة جديدة أمام معضلة قديمة متجددة: كيف يمكن للدولة أن تدير صراعًا بهذا الحجم في ظل تباين الرؤى داخلها حول طبيعة هذا الصراع وحدود التعامل معه؟ فالدعوة إلى التفاوض المباشر قد تعكس رغبة رسمية في إعادة الإمساك بقرار الحرب والسلم، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة
الدولة على تحويل هذه الرغبة إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ.
وفي كل الأحوال، فإن المبادرة الرئاسية، سواء نجحت أو بقيت في إطار الطرح السياسي، قد أعادت فتح النقاش حول الخيارات المتاحة أمام لبنان في مواجهة واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في تاريخه الحديث. فبين من يرى أن الواقعية السياسية تفرض البحث عن تسويات تقلّل الخسائر، ومن يعتقد أن الصراع لا يزال مفتوحًا ولا يحتمل أنصاف الحلول، يبقى اللبنانيون عالقين بين هاجس الأمن من جهة، وثقل الحسابات الإقليمية من جهة أخرى.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي ما إذا كان لبنان مستعدًا للتفاوض المباشر مع إسرائيل مطروحًا، بل ما إذا كان قادرًا أصلًا على صياغة استراتيجية وطنية موحدة تحدد بوضوح كيف يريد أن يدير هذا الصراع في السنوات المقبلة. فالتجارب السابقة أثبتت أن غياب هذه الاستراتيجية هو ما يجعل كل مبادرة، مهما كانت جريئة، عرضة لأن تتحول سريعًا إلى مادة إضافية في سجال سياسي لا ينتهي. ويبقى الخبر اليقين عند أبواب “عين التينة”.

