وجّه رئيس الحكومة نواف سلام بكلمة إلى اللبنانيين تناول فيها الوضعين الاقتصادي والاجتماعي والمالي، مستعرضًا الإجراءات التي تعمل الحكومة على تنفيذها لتخفيف الأعباء عن المواطنين، وحماية القدرة الشرائية، وتعزيز الإيرادات العامة، إلى جانب عدد من الخطوات المرتبطة بالصحة والشؤون الاجتماعية والكهرباء والنقل والإسكان.
واستهل سلام كلمته بالتأكيد أن الحكومة تعمل على «تخفيف العبء عن المواطنين وحمايتهم من الاستغلال»، مشددًا على ضرورة إطلاع اللبنانيين بوضوح على الوضع المالي للدولة، ومصادر الإيرادات وكيفية إنفاقها.
وأشار إلى أن الاقتصاد اللبناني حقق العام الماضي نموًا بنسبة 4.2 في المئة، معتبرًا أن ذلك شكّل «بداية تعافٍ» كان يمكن البناء عليها، إلا أن الحرب أوقفت هذا المسار، لافتًا إلى أن الانكماش الاقتصادي يُقدّر هذا العام بنحو 6.4 في المئة.
وأضاف أن الأزمة الإقليمية فاقمت الضغوط الاقتصادية، مع ارتفاع أسعار النفط، ولا سيما المازوت والبنزين، بعد إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب ارتفاع كلفة الشحن والتأمين، ما انعكس على كلفة الاستيراد والنقل والإنتاج، وبالتالي على أسعار السلع والخدمات.
وأوضح أن تأثير هذه التطورات يكون أكبر في لبنان بسبب الاعتماد الكبير على الاستيراد، سواء في المواد الغذائية أو الملابس أو الأدوية أو الأدوات الكهربائية وغيرها.
وشدد سلام على أن هذه العوامل لا تعفي الدولة من مسؤولياتها، مؤكدًا أن الحكومة لا تستطيع التحكم بأسعار النفط العالمية أو بحركة الملاحة في مضيق هرمز، لكنها في المقابل «لا تستطيع ولا تقبل أن تتهرب من واجباتها».
ولفت إلى أن من أبرز هذه المسؤوليات منع بعض أصحاب المولدات أو التجار أو المستوردين من استغلال ارتفاع الكلفة لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المواطنين، سواء من خلال رفع الأسعار بصورة غير مبررة أو فرض بدلات إضافية.
وأشار إلى أن الحكومة طلبت من مديرية حماية المستهلك تكثيف عمليات الكشف والرقابة، ضمن قدراتها الحالية، والتشدد في تطبيق العدادات والتسعيرة الرسمية للمولدات، وتنظيم محاضر ضبط بحق المخالفين وإحالتهم إلى القضاء.
وأكد أن أي انخفاض في كلفة الاستيراد أو النقل يجب أن ينعكس على أسعار السلع والخدمات، مشددًا على أنه «لا يجوز أن ترتفع الأسعار فورًا عند ارتفاع الكلفة، ثم تبقى على حالها عند انخفاضها».
وفي الشأن المالي، قال سلام إن الحكومة تعمل على تحسين الجباية وزيادة الإيرادات العامة، بهدف رفع حجم مشروع موازنة عام 2027 إلى نحو 7 مليارات دولار، بعدما كان حجم الموازنة عند حدود 3.5 مليارات دولار عند تشكيل الحكومة.
وأوضح أن هذا التحسن يعزز قدرة الدولة على تمويل مشاريعها وخدماتها، لكنه لا يعني وجود فائض كافٍ لتلبية جميع الحاجات المشروعة للمواطنين.
وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة سيذهب إلى تصحيح رواتب العاملين في القطاع العام، التي فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها منذ عام 2019، موضحًا أن الكلفة الإضافية للرواتب في مشروع موازنة 2027 تقارب مليارًا و200 مليون دولار.
وأكد أن موظفي القطاع العام «لهم الحق في أن يعيشوا بكرامة»، مشيرًا إلى أن العاملين في القطاعات الصحية والتعليمية والأمنية وسائر مؤسسات الدولة يقدمون خدمات عامة يستفيد منها جميع اللبنانيين.
وأضاف أن الحكومة قررت منح العاملين في القطاع العام والعسكريين ستة رواتب إضافية، ورفعت التعويضات العائلية، كما سبق أن رفعت الحد الأدنى للأجور وعدّلت بدل النقل اليومي بما يواكب كلفة الوصول إلى العمل.
وشدد سلام في المقابل على ضرورة الحفاظ على التوازن المالي والنقدي، مؤكدًا أنه «لا يمكن أن نقرر إنفاقًا من دون تأمين تمويله، ثم نحمّل الناس ثمن ضرب الاستقرار النقدي».
وتابع: «لن نعود إلى تمويل الإنفاق الجاري بالاستدانة وسلف الخزينة، ولن نكرر السياسات التي دفع اللبنانيون ثمنها من مدخراتهم وودائعهم»، مشددًا على أن الهدف هو حماية الاستقرار النقدي والقدرة الشرائية للمواطنين.
وأكد بوضوح: «لن ننفق أموالًا لا نملكها»، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن كل مبلغ يمكن للدولة تحصيله يجب تحسين استخدامه وتوجيهه نحو الأولويات التي تهم المواطنين.
وفي هذا السياق، أوضح سلام أن نحو 56 في المئة من الموازنة مخصص للإنفاق الاجتماعي، مشيرًا إلى زيادة اعتمادات وزارة الصحة العامة بنحو 16 في المئة مقارنة بالسنة الحالية.
ولفت إلى أن الهدف من هذه الزيادة هو تعزيز قدرة الوزارة على تغطية المستشفيات والأدوية والرعاية الصحية، والتخفيف من المبالغ التي تضطر العائلات إلى دفعها من جيوبها.
كما أشار إلى رفع مساهمة الموازنة في برنامج «أمان» إلى 70 مليون دولار، موضحًا أنه مع التمويل المنتظر من البنك الدولي سيرتفع عدد المستفيدين خلال عام 2027 من نحو 100 ألف عائلة إلى 150 ألف عائلة.
وأضاف أن مشروع الموازنة يتضمن تخصيص 20 مليون دولار لبرنامج خاص بالتمكين الاقتصادي، يشمل التدريب المهني والتأهيل والمساعدة في شراء المعدات والتجهيزات الإنتاجية، ودعم أصحاب المصالح الصغيرة والحرف والمزارعين.
وأكد أن الهدف هو ألا تقتصر المساعدة على الدعم المباشر، بل أن تتيح للعائلات فرصًا تمكنها من الاعتماد على نفسها.
وأشار كذلك إلى وجود اعتمادات للصحة والشؤون الاجتماعية والأشغال وصيانة الطرق والخدمات العامة، لافتًا إلى أن اللبنانيين بدأوا يلمسون نتائج عمل وزارة الأشغال العامة والنقل في عدد من المناطق، من تعبيد الطرق وتأهيلها إلى ترميم الجسور.
وشدد سلام على أن الخدمات والمساعدات والبرامج الحكومية يجب أن تكون متاحة لجميع اللبنانيين من دون تمييز، مؤكدًا أن «موازنة الصحة والشؤون الاجتماعية والزراعة هي حق للمواطن، أيًا كانت طائفته أو منطقته أو انتماؤه السياسي».
وفي ما يتعلق بالضرائب والجباية، أوضح سلام أن الخيار الأساسي للحكومة هو تحسين الجباية ومواجهة التهرب، وليس تحميل المواطنين ضرائب جديدة.
وأكد أن مشروع موازنة 2027 لم يستحدث أي ضريبة جديدة، مشيرًا إلى أن بعض الرسوم عُدّلت، بالتوازي مع العمل على تعزيز الرقابة وتطوير الإدارة الجمركية.
وفي ملف الإصلاحات، قال سلام إن الحكومة بدأت العمل على الملفات التي كان ينبغي معالجتها منذ سنوات، مشيرًا إلى ملف الكسارات والمقالع، حيث لا تزال هناك مستحقات تقدر بمئات ملايين الدولارات.
وأوضح أن هذه الأموال لم تُحصّل بعد بسبب لجوء أصحابها إلى القضاء، لكنه أكد أن الحكومة «واثقة من صحة مطالباتها» وستتابع الملف أمام القضاء.
أما في ما يتعلق بالأملاك البحرية، فأشار سلام إلى تكليف الجيش بإجراء مسح لها بهدف تحديد عددها ومساحاتها وحجمها، تمهيدًا لإعادة تقييم المستحقات المترتبة عليها والمطالبة بها وفق قيمتها الفعلية.
وشدد على أن هذه الأموال «لن تدخل كلها إلى الخزينة غدًا»، لكنه أكد أن الدولة لن تتخلى عن حقوقها، لأنها في النهاية «حقوق المواطنين»، مضيفًا أن الحكومة لن تعد الناس بإنفاق أموال لم يتم تحصيلها بعد.
وفي ما يتعلق بتخفيف كلفة المعيشة، أشار سلام إلى أن الحكومة تعمل، بالتعاون مع وزارتي الطاقة والمالية، على حلول مستدامة لقطاع الكهرباء تعالج أصل المشكلة، إلى جانب العمل على زيادة التغذية الكهربائية وتأمين حلول يمكن أن تخفف الكلفة عن المواطنين على المدى المتوسط.
ولفت إلى أن الحكومة أقرّت مشروع قانون لتمويل دعم السائقين العموميين المستحقين، وأحالته إلى مجلس النواب، موضحًا أن الدعم المقترح يبلغ نحو 12 مليون ليرة شهريًا لمدة ثلاثة أشهر، مقابل الالتزام بالتعرفة الرسمية، بهدف مساعدة السائقين على تحمل كلفة المحروقات وحماية الركاب من ارتفاع كلفة النقل.
وكشف سلام عن ثلاث مبادرات عملية تعمل الحكومة على تنفيذها، أولها خطة متكاملة للنقل العام بين المناطق وداخل المدن الكبرى، تتضمن في مرحلتها الأولى إدخال 250 حافلة جديدة، بما يوفر خيارًا أقل كلفة أمام المواطنين ويساهم في تخفيف الازدحام.
وأشار إلى أن وزير الأشغال العامة والنقل سيعلن تفاصيل الخطة من السرايا الحكومية خلال الأسبوع المقبل.
أما المبادرة الثانية، فتتعلق بقروض الطاقة الشمسية، إذ أوضح سلام أن مشروع موازنة 2027 خصص اعتمادات، خصوصًا من خلال المؤسسة العامة للإسكان، لتوفير قروض للعائلات لشراء أنظمة الطاقة الشمسية، بما يساهم في تخفيف الاعتماد على المولدات وخفض الفاتورة الشهرية.
وأضاف أن الحكومة تبحث مع وزير المالية إمكانية زيادة قيمة هذه القروض، في حين تتم مناقشة المبادرة في مجلس الوزراء.
أما المبادرة الثالثة، فتتعلق بالقروض السكنية، حيث أعلن العمل على إعادة فتح الباب أمام المؤسسة العامة للإسكان لمنح قروض سكنية جديدة للعائلات محدودة الدخل، في ظل الصعوبات المتزايدة التي تواجه الشباب في تملك المنازل.
وفي ختام كلمته، أكد سلام أن الحكومة تدرك حجم الأعباء التي يتحملها اللبنانيون، مشددًا على أن معالجة الوضع لن تتم «بين ليلة وضحاها»، لكنه أكد في المقابل أن الحكومة لن تترك الأمور على حالها.
وختم بالتشديد على مواصلة العمل لحماية المواطنين والحفاظ على الاستقرار، وتمويل الخطوات التي تخفف الأعباء عنهم، إضافة إلى تحصيل حقوق الدولة، مؤكدًا أنه سيتابع شخصيًا تنفيذ هذه الإجراءات «حتى يبدأ اللبنانيون بلمس نتائجها في أقرب وقت ممكن». :::

