بين مناظر طبيعية خلّابة وصفارات إنذار أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، يختار بعض الإسرائيليين الانتقال إلى بلدات تقع على الحدود مع لبنان، فيما يعود آخرون إلى منازل أُخلوا منها خلال الحرب. لكن الرغبة في الهدوء والحياة المجتمعية تصطدم بعقبات تتعلق بالأمن وفرص العمل والنقل والخدمات الطبية، في منطقة تراجعت صورتها الإيجابية بشدة خلال عامين.
وفي تقرير للصحافي إيلي أشكنازي نشرته صحيفة “معاريف”، يروي الدكتور مارسيلو فايغلشتاين كيف حزم أمتعته في كانون الثاني الماضي وغادر بلدة زخرون يعقوب الهادئة والراقية، ليقيم في كيبوتس المالكية على الحدود مع لبنان، الذي أُخلي سكانه خلال الحرب وتعرّض لإصابات مباشرة بنيران “حزب الله”، فيما اختار بعض أبنائه عدم العودة إليه.
وجاء انتقال فايغلشتاين بهدف تأسيس قسم هندسة أنظمة الذكاء الاصطناعي في جامعة تل حاي بكريات شمونة. وبعدما هاجر وحده من الأرجنتين إلى إسرائيل بعمر 20 عاماً، لم يكن الانتقال إلى الخط الأول قبالة لبنان خطوة تثير خوفه.
ويقول: “كل شيء يبدأ في الرأس. إذا كنت تريد الانتقال، فانتقل، ثم تعامل مع الصعوبات. في النهاية، السؤال هو إن كنت تنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس أو إلى النصف الفارغ”.
وتعكس تجربته التناقض الذي يطبع الحياة في الشمال: فرص للعمل ذي المعنى، ودوافع صهيونية، وحياة مجتمعية من جهة، وواقع أمني غير مستقر وبنى تحتية وخدمات متأخرة مقارنة بوسط إسرائيل من جهة أخرى.
ويظهر هذا التناقض أيضاً في تقرير يرصد التحولات على مدى سنوات، أصدره مختبر غوتسمان لمستقبل إسرائيل، الذي أسسته حركة “أور”. ويستند البحث إلى استطلاع أُجري في أيار 2026، وشمل عينة تمثيلية من 519 مشاركاً من السكان اليهود البالغين، وأظهر فجوة متسعة بين الاستعداد للانتقال إلى الجليل وتنفيذ ذلك فعلياً.
وبحسب التقرير، تراجعت نسبة أصحاب الانطباع الإيجابي عن الجليل من 72% في عام 2024 إلى 46%، بانخفاض بلغ 26 نقطة مئوية خلال عامين. ويأتي ذلك بالتزامن مع ارتفاع الانفتاح على تغيير مكان السكن، إذ قال نحو 75% من المستطلعين إنهم يفكرون في الانتقال من مكان إقامتهم الحالي، فيما أبدى نحو 39% منهم استعداداً للنظر في الانتقال إلى النقب أو الجليل.
وبينما تجذب المنطقة الراغبين في الهدوء والسكن بأسعار يمكن تحمّلها والقرب من الطبيعة، يبقى نقص فرص العمل الجيدة والمجزية العائق الأبرز، وقد أشار إليه 47% من المشاركين. كذلك ذكر 40% المخاوف من الوضع الأمني ومستوى الجريمة، فيما أشار 36% إلى صعوبات النقل والبعد الجغرافي.
ويقرّ فايغلشتاين بأن انتقاله أصبح ممكناً بفضل فرصة مهنية كانت تنتظره، مؤكداً أن تطوير فرص العمل شرط أساسي لنمو المنطقة بأكملها.
وفي النقل، يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في الربط بين الشمال ووسط إسرائيل، إذ يستغرق الوصول إلى مطار بن غوريون ساعات عدة. في المقابل، يعتبر التنقل اليومي داخل الجليل تحسّناً في نوعية حياته، فرحلته من المالكية إلى تل حاي تستغرق نحو نصف ساعة، بلا ازدحام وعلى امتداد مناظر جميلة، بعدما كان يقضي ساعات في الزحمة حين كان يسكن في زخرون يعقوب ويعمل في منطقة غوش دان.
وتعرف نوعا سيفان، البالغة 33 عاماً، هذه الصعوبات عن قرب. وهي مدرّبة بيلاتس ومعالجة رياضية، عادت أخيراً إلى كيبوتس دفنا مع زوجها غاي، البالغ 36 عاماً، وهو عامل اجتماعي في كريات شمونة، وطفليهما الصغيرين، بعدما تنقلوا بين أماكن عدة خلال فترة الإجلاء.
وتقول: “في كل ما يتعلق بالنقل، نشعر بالنقص. لا يمكن الاعتماد هنا على المواصلات العامة، وعلى كل عائلة امتلاك سيارتين خاصتين. هناك نقص أيضاً في النشاط الثقافي، فلا توجد عروض مسرحية كافية مثلاً، وإن كانت هناك عربات قهوة لطيفة. للعيش في الشمال، يجب تطوير قدر من الصمود، ومعرفة أن هذه الأمور لم تكن موجودة هنا حتى قبل الحرب، وأن هذا هو الوضع حالياً”.
وعلى المستوى الأمني، يشير فايغلشتاين إلى أن أصوات الانفجارات وصفارات الإنذار في المالكية أصبحت أمراً اعتيادياً، لكنه يلفت إلى أن التأقلم معها أكثر صعوبة بالنسبة إلى العائلات التي لديها أطفال.
وبالنسبة إلى سيفان، كان توافر غرفة محصّنة داخل المنزل الشرط الذي سمح بالعودة. وتوضح: “تبقى المخاوف موجودة دائماً عندما يتعلق الأمر بطفلين صغيرين. لم تصبح عودتنا ممكنة إلا عندما عرضت شعبة الاستيطان منازل تضم غرفاً محصّنة. لا يمكن العيش هنا من دون غرفة محصّنة، خصوصاً في منطقة على خط المواجهة”.
وفي الخدمات الصحية، يصف فايغلشتاين الرعاية الأولية داخل الكيبوتس بأنها متاحة ويسهل الوصول إليها، لكن الحصول على رعاية طبية متخصصة أكثر تعقيداً، ويتطلب السفر إلى صفد أو طبريا.
ورغم الصعوبات، يشدد الاثنان على مزايا البيئة والحياة المجتمعية. ويتحدث فايغلشتاين عن الهواء النقي والهدوء والمناظر التي لا تقل جمالاً، بحسب وصفه، عن سويسرا، مضيفاً بابتسامة: “لكنها سويسرا بجيران سيّئين”.
ويصف المجتمع الذي انضم إليه بأنه “عائلة موسّعة”، قائلاً: “عشت في زخرون يعقوب سنوات، ولم أكن أعرف سوى أشخاص قليلين. هنا، بعد بضعة أشهر، أصبحت أعرف عائلات كثيرة، وأقيم علاقات مع الناس”.
أما سيفان فتقول: “قرار العودة إلى دفنا نابع من القلب. العودة إلى مجتمع مذهل وقوي كهذا، مرّ بصعوبات كثيرة وتجاوزها بصمود، أمر مميز. نتمنى حقاً أن يأتي الناس إلى الشمال، ويبادروا ويساعدوا في تطوير المنطقة”.
بالتوازي، وضعت إدارة “تنوفا للشمال” هدفاً لاستقطاب 100 ألف ساكن جديد خلال 10 سنوات، وترى في العائلات التي تصل حالياً البدايات الأولى لتحقيقه.
وتقول الإدارة إن “استقبال العائلات الجديدة في بلدات منطقة تنوفا هو ثمرة سلسلة خطوات تدفع بها الإدارة في المنطقة بأكملها، من الاستثمار في المناطق الريفية بمختلف أشكال الاستيطان فيها، إلى التجديد الحضري والتعليم الأكاديمي وفرص العمل في المدن، ضمن موازنة تراكمية تبلغ نحو 13.4 مليار شيكل”.
ويظهر الاستطلاع أن 86% من المشاركين يؤيدون منح أولوية في الموازنة لإعادة تأهيل بلدات الشمال وغلاف غزة، حتى لو استدعى ذلك خفض الإنفاق في مجالات أخرى.
وبحسب روني بالمر، مؤسس حركة “أور” ومديرها العام، فإن “تراجع صورة الجليل يلزم الحكومة بالاستثمار فوراً في الأمن والبنى التحتية ومحركات التوظيف، بما يسمح لعائلات إضافية بألا تكتفي بالحلم بالانتقال إلى الشمال، بل بتحقيقه أيضاً بأمان ونوعية حياة جيدة”.

