كل يوم يخرج إلى العلن ارتكاب جديد من داخل قطاع تمثله “جمعية سارقي أموال المودعين”، المعروفة زوراً باسم جمعية المصارف. جمعية حجز أعضاؤها أموال اللبنانيين وفرضوا عليهم القيود والاقتطاعات، فيما تتكشف تباعاً مخالفات وملفات يكون أحد المصارف طرفاً فيها، وكل ملف أشد وقعاً من سابقه.
وفي آخر الفصول، علم “ليبانون ديبايت” أن النائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي رجا حاموش أوقف 3 موظفين سابقين في “بنك لبنان والمهجر”، بعد تسلّمه تقريراً من هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان حول سرقة مبلغ يقارب 150 ألف دولار من المصرف.
وادعى القاضي حاموش على الموظفين م. إ. وم. ش. وج. م. بجرم سرقة أموال المصرف، سنداً إلى جناية المادة 638 من قانون العقوبات.
وبحسب التحقيقات الأولية، اكتشف المصرف خلال جردة لحسابات صناديقه نقصاً يقارب 150 ألف دولار. وأظهر تحقيقه الداخلي أن الموظفين الثلاثة استولوا مباشرة على الأموال، وقد اعترفوا بذلك، قبل إبلاغ هيئة التحقيق الخاصة التي أجرت تحقيقاتها وأحالت تقريرها إلى القضاء.
إلا أن “بنك لبنان والمهجر” أصدر بياناً حاول من خلاله اختصار القضية بالقول إن الموظفين السابقين “قاموا بإعادة كافة الأموال موضوع الشكوى”، وإن المصرف “أبرأ ذمتهم بالكامل”، مع الإشارة إلى تدوين الإبراء أمام مكتب مكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال.
لكن ما لم يقله البيان هو الأخطر. فبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، لم يُعَد المبلغ كاملاً ودفعة واحدة كما يوحي النص، بل جرى الاتفاق مع الموظفين على تسديد الأموال بالتقسيط وإعادتها تدريجياً إلى صناديق المصرف.
وهنا يصبح بيان المصرف ناقصاً ومضللاً، لأنه قدّم للرأي العام صورة توحي بأن الأموال أُعيدت بالكامل وانتهت القضية، من دون أن يوضح أن عملية السداد تتم على دفعات. فلماذا أخفى المصرف هذه المعلومة الأساسية؟ ولماذا استخدم عبارة “إعادة كافة الأموال” إذا كانت الأموال لا تزال تُسدّد بالتقسيط؟
ثم إن إعادة المال، سواء دفعة واحدة أو بالتقسيط، لا تمحو الفعل المنسوب إلى الموظفين. من يسرق ثم يعيد ما أخذه بعد اكتشافه لا يصبح بريئاً تلقائياً، وإبراء المصرف للذمة لا يمنحه حق إقفال دعوى الحق العام أو الحلول مكان القضاء.
والأمر لا يقف عند حدود الموظفين الثلاثة. فالمصرف مسؤول عن إدارته وعن أنظمته الرقابية وعن حركة الأموال داخل صناديقه. ومن حق المودعين والرأي العام معرفة كيف تمكن 3 موظفين من الاستيلاء على نحو 150 ألف دولار، وكم استمرت العملية، ومن كان يراقب الصناديق، وما إذا كان الخلل محصوراً بهذه الواقعة أم يتجاوزها.
المفارقة الفاضحة أن المصارف التي لم تُعِد إلى المودعين أموالهم، وفرضت عليهم سحوبات مجتزأة واقتطاعات قاسية، تظهر تساهلاً لافتاً عندما تتعلق القضية بسرقة أموالها هي. الموظفون يعيدون المال بالتقسيط، والمصرف يمنحهم إبراءً كاملاً، ثم يصدر بياناً يريد من خلاله إقناع الناس بأن الصفحة طُويت.
لكن الصفحة لم تُطوَ. فالقضاء تحرك والادعاء صدر، وتبقى المسؤولية عليه لكشف حقيقة ما جرى كاملة. أما “بنك لبنان والمهجر”، فمطالب بتفسير ما أخفاه بيانه: كم أعاد الموظفون فعلياً؟ كم بقي في ذمتهم؟ وما جدول التقسيط الذي اتُّفق عليه؟
في بلد حُرم فيه المودع من ماله وقيل له إن المصرف عاجز عن الدفع، يبدو المشهد أكثر استفزازاً: حين تُسرق أموال المصرف، يُقبل تقسيطها ويُمنح الإبراء؛ وحين يطالب اللبناني بوديعته، يُطلب منه الانتظار إلى أجل غير معلوم.
