بين رسائل التهديد وحسابات التفاوض، يعود المشهد اللبناني إلى دائرة التساؤلات بشأن احتمالات التصعيد. فمن ظهور قيادي إيراني على ضفاف الليطاني متوعّدًا إسرائيل، إلى استعراض جهاز “بيجر” يُقال إنه صُنع في لبنان، تتقدّم لغة التحدّي في توقيت تتواصل فيه الاتصالات السياسية. غير أن قراءة هذه المشاهد تقتضي البحث في وظيفتها: هل تعبّر عن استعداد لمواجهة جديدة، أم تشكّل أدوات ضغط لتعزيز الموقع التفاوضي؟ وبين الاحتمالين، تبرز المسافة بين استعراض القوة واتخاذ قرار استخدامها، فيما يبقى الميدان معيارًا لتقدير اتجاه الأحداث.
في هذا السياق، يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد مارسيل بالوكجي، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن “الحرب باتت احتمالًا مرجّحًا، لكنها ليست متوقعة بصورة سريعة”. ويضع التحركات والحشود الحالية، في ظل استمرار المفاوضات، ضمن “محاولة إقامة ميزان ردعي يؤثر في التفاوض، أكثر مما تشكّل دليلًا على توسيع وشيك للعمليات العسكرية”.
ويشير بالوكجي إلى “عدم وجود تطورات كبيرة تغيّر المشهد”، معتبرًا أن “الحشود التي تظهر في الميدان تهدف إلى تأمين توازن في المفاوضات”. ومن هذه الزاوية، يتوقع استمرار الوضع على إيقاعه الحالي، حيث تبقى القوة العسكرية حاضرة في خلفية المسار التفاوضي.
تتيح هذه القراءة فهم التسجيلين بوصفهما رسالتين محتملتين ضمن هذا المناخ، مع الإبقاء على الفارق بين التفسير السياسي وما يمكن إثباته عسكريًا.
ففي الفيديو الأول، ظهر حسين يكتا، الذي تناولته تقارير إعلامية بوصفه أحد قادة الحرس الثوري الإيراني، وهو يتوضأ على ضفاف نهر الليطاني في جنوب لبنان، ويوجّه تهديدًا إلى إسرائيل مستحضرًا دجلة وكربلاء ومصير الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وصولًا إلى قوله: “سنصلّي في القدس”.
وفي الداخل، أثار التسجيل انتقادات تناولت سيادة الدولة اللبنانية وقرارها، بما يعكس أن أثره لا يقتصر على الرسالة الموجّهة إلى إسرائيل، بل يمتد إلى النقاش حول استخدام الجنوب منصة لخطاب إقليمي.
أما تسجيل “البيجر”، فيفتح بابًا مختلفًا للقراءة. فاستعراض شخص يُقدَّم بوصفه عنصرًا في حزب الله جهازًا يقول إنه صناعة لبنانية، بعد عامين على تفجيرات أجهزة الاتصال في أيلول 2024، قد يُفهم بوصفه محاولة لإظهار القدرة على تجاوز الضربة واستعادة الثقة بوسائل الاتصال.
وهنا تبرز حدود الربط بين المشهد الإعلامي والاستعداد العسكري. فإظهار وسيلة اتصال لا يكشف حجم منظومة الاتصالات أو جاهزيتها، كما أن إطلاق تهديد لا يحدّد طبيعة الخطوة التالية. وقد تحمل هذه الرسائل وظيفة معنوية أو ردعية من دون أن تعني انتقالًا مباشرًا إلى الحرب.
وبحسب قراءة بالوكجي، تصبح الحشود أكثر ارتباطًا بمحاولة تحسين الموقع على طاولة التفاوض: إظهار القوة لزيادة الضغط ورفع كلفة تجاهل المطالب. وهذا تفسير للتحركات الحالية، لا ضمانة بأن يبقى التصعيد مضبوطًا أو أن يُستبعد خيار المواجهة لاحقًا.

