تعيش الساحات الطائفية والمذهبية في لبنان أزمة سياسية حقيقية تتجاوز الخلافات التقليدية بين الأحزاب، لتصل إلى أزمة تمثيل وقيادة وقدرة على الإمساك بالشارع. ومع استمرار التحولات الداخلية والإقليمية، يصبح السؤال الأساسي مرتبطًا بشكل القوى التي ستملأ الفراغات التي تتوسع داخل الطوائف، وبالمخارج التي ستخلقها كل ساحة لنفسها في المرحلة المقبلة.

على الساحة المسيحية، يبدو التشظي أكثر وضوحًا. فباستثناء “القوات اللبنانية”، يصعب الحديث اليوم عن أحزاب مسيحية تتمتع بالتماسك والقوة نفسيهما اللذين عرفتهما الحياة السياسية خلال السنوات الماضية. “التيار الوطني الحر” تراجع سياسيًا وشعبيًا، فيما لم تتمكن قوى أخرى من التحول إلى بديل قادر على تشكيل كتلة سياسية وشعبية كبيرة. لذلك، بات جزء أساسي من المشهد المسيحي مرتبطًا بـ “القوات اللبنانية” وبقدرتها على المحافظة على حضورها وتنظيمها.

لكن هذه المعادلة تطرح بدورها سؤالًا للمستقبل: ماذا يحصل في حال غياب رئيس “القوات” سمير جعجع عن المشهد السياسي؟ عندها قد تدخل الساحة المسيحية مرحلة مختلفة تمامًا، يصبح فيها العامل المناطقي أكثر تأثيرًا، وتعود الزعامات المحلية إلى الواجهة على حساب الأحزاب الكبيرة. وهذا يعني عمليًا غياب الجبهات المسيحية الواسعة والكتل الكبرى القادرة على التنافس ضمن مشاريع سياسية واضحة، لمصلحة مجموعة قيادات موزعة جغرافيًا وسياسيًا.

الوضع في الشارع السني لا يبدو أكثر استقرارًا. فوصول الرئيس نواف سلام إلى رئاسة الحكومة، رغم عدم امتلاكه قاعدة شعبية سنية بحجم الموقع الذي يشغله، يعكس جزءًا من أزمة التمثيل . صحيح أن الساحة السنية لا تزال تضم رؤساء شخصيات وقيادات لعبت أدوارًا أساسية في مراحل سابقة، لكن استمرار انكفاء هذه القيادات، لأسباب سياسية أو شخصية أو خارجية، قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع مفهوم الزعامة السنية المركزية.

الأخطر هنا أن الفراغ لا يبقى فراغًا طويلًا. فإذا لم تظهر قيادة سياسية محلية قادرة على إعادة تنظيم هذه الساحة، فقد تصبح شرائح واسعة من الشارع السني أكثر ارتباطًا باستقطابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، بدل انتظامها ضمن مشروع سياسي لبناني واضح.

أما الساحة الشيعية، فهي تواجه بدورها مرحلة شديدة الحساسية. فتراجع قوة “حزب الله” مقارنة بمراحل سابقة، إلى جانب غياب أمينه العام السيد حسن نصر الله عن المشهد، أحدث تحولًا كبيرًا داخل البيئة الشيعية. فوجود نصر الله كان يمنح الحزب والطائفة مساحة خاصة في إدارة العلاقة مع إيران وفي التعامل مع الملفات اللبنانية والإقليمية. أما اليوم، فإن الخشية تكمن في أن يؤدي غياب هذه المساحة إلى ارتباط أكثر مباشرة بالمظلة

الإيرانية.

ومع استمرار الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية، قد تصبح قدرة القوى التقليدية على ضبط الشارع الشيعي أقل مما كانت عليه. وهذا يفتح الباب أمام احتمالين متناقضين: ولادة اتجاهات أكثر تشددًا تعتبر أن القوى الحالية لم تعد قادرة على حماية البيئة ومصالحها، وفي المقابل صعود مجموعات معارضة تحاول تقديم نفسها بديلًا من الثنائية القائمة.

المشكلة، إذًا، لا تخص طائفة واحدة. لبنان قد يكون متجهًا إلى مرحلة تتراجع فيها الزعامات الكبرى لمصلحة ساحات أكثر تشتتًا وأقل قدرة على إنتاج القرار. وعندها لن يكون السؤال فقط من يمثل المسيحيين أو السنة أو الشيعة، بل من يستطيع منع الفراغ داخل هذه الساحات من التحول إلى أزمة جديدة في النظام اللبناني كله.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version