أعاد الحديث عن لقاء أمني سري بين وفد من “حزب الله” ومسؤولين سوريين في تركيا فتح ملف العلاقة المعقدة بين الحزب ودمشق، في وقت سارعت فيه الحكومة السورية إلى نفي حصول اللقاء، كما نفت أنقرة انعقاده. وبين الرواية التي تحدثت عن اجتماع جرى في تركيا والنفي الرسمي الصادر عن الجانبين، تبرز مجموعة من الأسئلة حول خلفية هذه الاتصالات والجهة التي دفعت في اتجاه عقدها، وما الذي يريد “حزب الله” تحديداً من فتح قناة مع سوريا الجديدة.

وبحسب ما أورده بعض المعلومات الإعلامية نقلاً عن مصادر سورية وأميركية ولبنانية، فإن اتصالات غير مباشرة بين الجانبين كانت قد بدأت قبل نحو شهرين، وأن لقاءً مفترضاً عُقد في أيلول برعاية أو دفع تركي، وتركز البحث خلاله على ملفات أمنية، بينها ضبط الحدود وتهريب السلاح ونشاط مجموعات مرتبطة بالحزب داخل الأراضي السورية. لكن دمشق نفت حصول اللقاء، وكذلك فعلت تركيا، ما يجعل انعقاده حتى الآن في خانة المعلومات المتضاربة وليس الوقائع المثبتة.
ومع ذلك، فإن السؤال السياسي والأمني الذي يفرض نفسه يتجاوز مسألة انعقاد الاجتماع من عدمه. فلماذا يحتاج “حزب الله” إلى قناة حوار مع دمشق في هذه المرحلة تحديداً؟

منذ سقوط نظام بشار الأسد، تغيّر موقع سوريا في الحسابات الأمنية للحزب بصورة جذرية. فالسلطة السورية الجديدة لا تنظر إلى “حزب الله” كما كانت تنظر إليه القيادة السابقة، فيما أصبحت الحدود السورية ـ اللبنانية تحت حسابات أمنية وسياسية مختلفة، بعدما كانت سوريا لسنوات جزءاً أساسياً من البيئة الإقليمية التي تحرك فيها الحزب.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن الحزب معني قبل أي شيء بمنع تحوّل سوريا الجديدة إلى جبهة ضغط إضافية عليه. فأي تفاهم أمني مع دمشق يمكن أن يخفف احتمالات الاحتكاك على الحدود، ويحدّ من عمليات ملاحقة أو تضييق تستهدف شبكات مرتبطة بالحزب، ويمنع انتقال الخلاف السياسي بين الطرفين إلى مواجهة أمنية مفتوحة. وفي المقابل، فإن دمشق لديها مصلحة واضحة في ضبط الحدود ومنع عمليات التهريب والحؤول دون استخدام الأراضي السورية لنشاطات تعتبرها تمس أمنها وسيادتها.
أما اختيار تركيا، فيحمل بدوره دلالة مهمة. فأنقرة تتمتع بعلاقة مباشرة مع القيادة السورية الجديدة، وتملك قنوات اتصال مع أطراف إقليمية متعددة، ما يجعلها قادرة على لعب دور الوسيط عندما تكون الاتصالات المباشرة مكلفة سياسياً أو أمنياً لأي من الطرفين.
والأهم أن فتح قناة عبر تركيا يسمح للحزب باختبار إمكان التوصل إلى تفاهمات مع دمشق من دون تحويل التواصل إلى اتفاق سياسي علني، ومن دون أن يصبح اللقاء بحد ذاته اعترافاً متبادلاً بطبيعة العلاقة الجديدة.
وهنا تبرز نقطة أخرى. فإذا صحّت المعلومات التي تحدثت عن لقاء من هذا النوع، فإن الملف المطروح لا يبدو محصوراً بالعلاقة الثنائية بين الحزب ودمشق، بل يرتبط مباشرة بالوضع اللبناني. فاستقرار الحدود السورية ـ اللبنانية، ومستقبل المعابر، ومسألة تهريب السلاح، وأي نشاط أمني للحزب داخل سوريا، كلها ملفات يمكن أن تنعكس على لبنان بصورة مباشرة.
لذلك، فإن ما يبحث عنه “حزب الله” قد لا يكون مجرد إعادة فتح خط سياسي مع دمشق، بل ترتيب بيئة أمنية جديدة حول لبنان في مرحلة تتغير فيها موازين القوى الإقليمية.
وفي المقابل، قد تكون دمشق مهتمة بمعرفة ما إذا كان الحزب مستعداً للتعامل معها باعتبارها سلطة سورية جديدة لها حساباتها ومصالحها، وليس باعتبارها امتداداً للمرحلة السابقة.
من هنا يمكن فهم أهمية الوساطة التركية، إذا كانت قد حصلت فعلاً، كما يمكن فهم سبب نفي دمشق وتركيا للقاء. فالاعتراف العلني باتصالات من هذا النوع قد يحمّل الطرفين أثماناً سياسية لا يريدان دفعها في الوقت الراهن.
لكن حتى مع النفي الرسمي، تبقى حقيقة أخرى قائمة، وهي أن هناك حاجة متبادلة إلى إدارة الخلاف وعدم السماح له بالتحول إلى صدام مفتوح.
وهذه ربما هي النقطة التي تستحق المتابعة في المرحلة المقبلة. فإذا استمرت الاتصالات غير المباشرة، فإن الهدف المرجح لن يكون عقد مصالحة سياسية شاملة، بل الوصول إلى تفاهمات أمنية محددة حول الحدود والتهريب وعدم استخدام الأراضي السورية في عمليات تستهدف الطرف الآخر.
أما بالنسبة إلى “حزب الله”، فإن أي تفاهم من هذا النوع يمكن أن يمنحه هامشاً إضافياً في مواجهة الملفات المفتوحة داخلياً، ولا سيما ملف السلاح ومستقبل دوره الأمني والعسكري في لبنان.
ولهذا، فإن قصة اللقاء المنفي في تركيا تفتح باباً أوسع من مجرد سؤال عن اجتماع وفد من “حزب الله” مع مسؤولين سوريين أم لم يجتمع، ليتطور إلى سؤال أهم، وهو: هل بدأت ترتسم، عبر تركيا أو عبر قنوات أخرى، قواعد جديدة للعلاقة بين دمشق و«حزب الله»؟ فإذا كان الجواب نعم، فإن انعكاساتها لن تتوقف عند الحدود السورية، بل ستصل حكماً إلى لبنان.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version