يواجه نحو 100 ألف طفل في لبنان خطر البقاء خارج الصفوف إذا لم تُرمَّم المدارس المتضرّرة من الحرب، فيما يدخل جيل من التلامذة عامه الدراسي السابع على التوالي وسط انقطاعات فرضتها الأزمة المالية وانفجار مرفأ بيروت وجائحة كورونا والحرب.
وبحسب تقرير للصحافي جوان كاباسيس فيغا في صحيفة “إل باييس” الإسبانية، تسجّل وزارة التربية 436 مؤسسة تعليمية تعرّضت للقصف، أي 40% من المؤسسات التي شملها التقييم. ومع عودة الحرب المفتوحة في آذار الماضي، نزح 1.2 مليون شخص، بينهم نصف مليون طفل في سن الدراسة، وفق الأمم المتحدة، بينما تحوّل نحو نصف المدارس الرسمية في بقية البلاد إلى مراكز إيواء.
ورغم تراجع التصعيد بعد اتفاقات وقف إطلاق النار في حزيران، لا تزال العودة المدرسية تصطدم باستمرار الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وتدمير المؤسسات التعليمية وإغلاق الطرق. وتعتزم وزارة التربية إعادة فتح أكثر من 150 مدرسة في المنطقة، على أن يعتمد بعضها جزئياً التعليم عن بُعد بحسب الوضع الأمني.
لكن استعادة الصفوف لا تعني تجاوز آثار الحرب. ففي مركز تديره منظمة “إنقاذ الطفل” في الغبيري، تحاول المعلّمة يارا، البالغة 25 عاماً، طمأنة أطفال يسألونها مع سماع أزيز المسيّرات: “أستاذة، هل ستقصفنا هذه المسيّرة؟”. وهي نفسها لم تعد تحتمل الصوت بعدما شهدت 3 غارات قرب منزلها.
وتقول إن بعض التلامذة يمزحون بشأن أحداث أرعبتهم، فيما يفتقد آخرون معرفة الدروس التي سبقت الحرب. وتحذّر الخبيرة التربوية رانيا حمود من تأثير الصدمات على الذاكرة والتركيز: “لا تتفاجأ إذا نسوا غداً ما تعلّموه اليوم، أو إذا لم يجيبوا لأنهم في حالة صدمة”.
وتشير حمود إلى رصد أطفال يبلغون 10 أعوام ولا يستطيعون الكتابة، وإلى تراجع مهارات اللغة والتواصل بعد سنوات من الانقطاع والتعليم عن بُعد، مؤكدة أن “الخسارة تتجاوز القراءة والكتابة والحساب”.
وتختصر تجربة وائل، البالغ 10 أعوام، صعوبة التعلّم خلال النزوح. فقد لجأ إلى منزل جدته، حيث تكدّس مع نحو 30 شخصاً، وكان يتقاسم هاتفاً واحداً مع 4 أطفال لمتابعة الدروس. ويقول: “كان كل واحد يقول إن دوره حان، ولم يكن أيّ منا يفهم شيئاً”، مضيفاً أن القصف كان يقطع الإنترنت. أما اليوم، فيركّز على صوت المعلّمة “كي أنسى المسيّرة”.
وتعمّق الأزمة الفوارق الاجتماعية في بلد يعيش نصف سكانه في الفقر. فالمدارس الخاصة حافظت على قدر من الاستمرارية في بعض المناطق، بينما استضافت المدارس الرسمية النازحين، وأُثقل العاملون فيها بمهام إنسانية.
وفي الجنوب، تأسف الأخت هيام حبيب، التي تدير مدرسة في مرجعيون، لخسارة تلامذة من النبطية بسبب إغلاق الطرق. أما المعلّمة فاطمة، البالغة 39 عاماً، فتغالب دموعها عندما تتحدث عن مدارس عملت فيها ولم تعد موجودة، وتستعيد قصف المدرسة الرسمية في المنصوري في 9 أيلول الماضي، قبل أيام من إعادة فتحها: “بكيت عندما رأيت ذلك. ثم بدأت أفكّر بما يمكننا فعله للحفاظ على الرابط الذي يصل التلامذة بمدرستهم وقريتهم”.
وتتهم وزارة التربية إسرائيل بتدمير المدارس لعرقلة عودة المدنيين. في المقابل، يقول الجيش الإسرائيلي إنه يستهدف “حزب الله”، ويتهمه بتحويل مناطق مدنية إلى ساحة معركة وتعريض العودة المدرسية للخطر.
ورغم جعل وزيرة التربية ريما كرامي عودة “كل طفل إلى المدرسة” أولوية، لا تزال المنظمة الدولية للهجرة تسجّل 330 ألف نازح قسراً من دون أفق للعودة، فيما تُستخدم نحو 30 مدرسة كمراكز إيواء.
وتؤكد مديرة منظمة “إنقاذ الطفل” في لبنان، نورا إنغدال، ضرورة تأمين مساكن بديلة لتحرير هذه المدارس، محذّرة من أن طول الانقطاع يصعّب العودة ويعرّض الأطفال للعمل أو الاستقطاب من شبكات الجريمة والجماعات المسلحة. وتأتي هذه الاحتياجات بعدما جمع النداء العاجل للأمم المتحدة نصف التمويل المستهدف فقط.
وسط هذه الظروف، تحاول سارة، البالغة 14 عاماً، استعادة قدرتها على التعلّم بعدما أُصيبت بجروح طفيفة وأصبحت تخاف من أي صوت. وتشير بفخر إلى معادلة حلّتها على السبورة، قائلة إن الرياضيات تساعدها على “الابتعاد ذهنياً عن أصوات الحرب”.
