لا جدال في أن ما تعرَّضت له طائرة (فلاي دبي) المتجهة إلى تل أبيب في ٣٠ أيلول الماضي حادث خطير، وكان يمكن أن يتحول إلى كارثة جوية كبرى. فقد هاجم مساعد الطيار قائد الطائرة داخل قمرة القيادة، وهوت الطائرة آلاف الأقدام قبل أن يتمكن الركاب وأفراد الطاقم من السيطرة على الموقف، والهبوط اضطرارياً في المملكة العربية السعودية. وقد بدأت الإمارات تحقيقاً رسمياً لتحديد ملابسات الحادث ودوافعه، بما في ذلك احتمال وجود صلة بعمل إرهابي أو تخطيط مسبق و هو الأرجح حتى الآن.
ومن حيث المبدأ، فإن محاولة إسقاط طائرة مدنية وقتل ركابها، أياً كانت جنسياتهم أو وجهتهم أو انتماءاتهم، عمل مدان ومستنكر ولا يحتاج إلى أي تبرير.
حياة المدنيين ليست أكثر قيمة عندما يكونون إسرائيليين، وليست أقل قيمة عندما يكونون فلسطينيين أو لبنانيين أو سوريين أو عراقيين أو يمنيين.
لكن هنا تحديداً يبدأ السؤال الذي يتجاوز حادثة الطائرة نفسها:
لماذا يتحول كل حادث يمس إسرائيل أو الإسرائيليين إلى قضية دولية كبرى، تستنفر معها وسائل الإعلام والسياسيين والمسؤولين، بينما لا تحظى أحداث أخرى، أكثر دموية وأوسع نطاقاً، بالزخم نفسه؟
السؤال ليس اعتراضاً على الاهتمام بحادثة الطائرة، بل اعتراض على وجود اختلال في معيار الاهتمام نفسه.
لقد احتلت حادثة (فلاي دبي) مساحة واسعة في الإعلام الدولي، وتابعها كبار المسؤولين، وتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عنها، كما أشاد الرئيس الهندي بالطيار الذي أصيب خلال الحادث، وجرى التعامل مع الواقعة باعتبارها تهديداً أمنياً يتجاوز حدود الطائرة نفسها.
وهذا أمر مفهوم إلى حد كبير، فاستهداف طائرة مدنية يحمل في ذاته خطورة استثنائية، لأنه يهدد حياة عشرات أو مئات الأشخاص في لحظة واحدة، كما أن أمن الطيران قضية دولية بطبيعتها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الجواز الإسرائيلي أو وجود إسرائيليين بين الضحايا عاملاً يرفع منسوب الاستنفار السياسي والإعلامي بصورة ملحوظة، بينما لا يكون حجم الضجة متناسباً دائماً مع عدد الضحايا أو طبيعة الجريمة عندما تكون الضحية من شعوب أخرى.
وهنا لا بد من التوقف عند سؤال أكثر جوهرية:
هل أصبحت حياة الإنسان في النظام الإعلامي والسياسي الدولي ذات درجات مختلفة من الأهمية؟
ليست المشكلة في التضامن… بل في ازدواجية المعايير
من الطبيعي أن تتضامن الدول مع مواطنيها، ومن الطبيعي أن تتابع إسرائيل سلامة مواطنيها في الخارج، كما فعلت في هذه الحادثة.
لكن عندما تنتقل القضية من متابعة دولة لمواطنيها إلى استنفار دولي واسع، وتحويل الحادث إلى قضية سياسية وأمنية وجيوسياسية، وربطه سريعاً بتهديدات ودول وتنظيمات أخرى قبل اكتمال التحقيق، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل عن المعايير التي تحكم هذا الاستنفار.
فحتى في حادثة (فلاي دبي) نفسها، حذَّرت الشركة من الاستنتاجات المبكرة، بينما قالت السلطات الإماراتية إن التحقيق لا يزال يبحث في الدوافع والظروف ومدى وجود صلة بنشاط إرهابي.
أي أن توصيف الحادث بأنه إرهابي، وإن كان مطروحاً بقوة، يجب أن يستند في النهاية إلى نتائج التحقيق، لا إلى الانتماء الوطني للضحايا أو إلى طبيعة الوجهة التي كانت الطائرة متجهة إليها.
وهذا تحديداً هو جوهر المسألة.
الإرهاب إرهاب، سواء كان المستهدف إسرائيلياً أم فلسطينياً أم عربياً أم أوروبياً.
والمدني مدني، سواء كان في طائرة فوق السعودية، أو في منزل في غزة، أو في قرية جنوب لبنان.
غزة تطرح السؤال الأكثر صعوبة
من الصعب تجاهل المفارقة عندما ننظر إلى ما جرى ويجري في غزة.
فالتقارير الأممية خلال عام ٢٠٢٦ ما زالت توثق سقوط مدنيين فلسطينيين، بينهم نساء وأطفال، نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية، إلى جانب استمرار الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية والأوضاع الإنسانية. وفي تقرير للأمم المتحدة عن الحرب، ورد أن أكثر من ٧١ ألف فلسطيني كانوا قد قتلوا في غزة منذ بداية الحرب حتى نيسان ٢٠٢٦، وفق البيانات الواردة في تقييم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، مقابل نحو ١٦٧١ إسرائيلياً وأجنبياً قتلوا في سياق الحرب، وكانت الغالبية العظمى من الجانب الإسرائيلي في هجمات 7 تشرين الأول 2023.
والأمم المتحدة نفسها وثقت لاحقاً استمرار سقوط المدنيين الفلسطينيين، وأشارت إلى أن هجمات إسرائيلية في غزة أدت إلى مقتل فلسطينيين، كما وثقت انتهاكات جسيمة بحق الأطفال، ونسبت غالبية الانتهاكات التي تم التحقق منها في التقرير المعني إلى القوات والأجهزة الإسرائيلية.
ومع ذلك، إن كل هذه الوقائع لا تحظى دائماً في الإعلام والسياسة الغربية بالزخم الفوري نفسه الذي تحظى به حادثة تهدد مجموعة من الإسرائيليين على متن طائرة.
وهنا لا يعود السؤال: لماذا اهتم العالم بالطائرة؟
بل يصبح:
لماذا لا يكون العالم بالقدر نفسه من الحساسية تجاه كل حياة مدنية مهددة؟
لماذا تتمتع إسرائيل بهذا الحضور الاستثنائي؟
هناك مجموعة من الأسباب، ولا ينبغي اختزالها كلها في نظرية واحدة.
أولاً، لإسرائيل حضور سياسي وأمني وثيق مع الولايات المتحدة والدول الغربية، يجعل أي حادث أمني يتعلق بها جزءاً من نقاش أوسع حول أمن الشرق الأوسط والإرهاب والطيران والتحالفات الدولية.
ثانياً، تمتلك إسرائيل منظومة إعلامية ودبلوماسية نشطة جداً في نقل روايتها إلى العالم، وتملك قدرة عالية على تحويل الأحداث الأمنية إلى قضايا سياسية ودولية.
ثالثاً، ما زالت هجمات ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣ حاضرة بقوة في الوعي الإسرائيلي والغربي، ولذلك يتم التعامل مع أي حادث يستهدف إسرائيليين ضمن سياق أمني أوسع. وقد ظهر ذلك بوضوح في ردود الفعل الإسرائيلية على حادثة (فلاي دبي)، حتى مع استمرار التحقيق في دوافع المهاجم.
رابعاً، هناك عامل يتعلق بطبيعة الإعلام نفسه. فالحدث الذي يمكن ربطه بقصة إسرائيل، أو بإيران، أو بالإرهاب، أو بالطيران المدني، أو بالتهديدات العابرة للحدود، يمتلك عناصر جذب إعلامية أكبر من حادثة محلية لا تجد لها امتدادات سياسية دولية.
لكن هذه العوامل كلها تفسر لماذا يحدث ذلك، ولا تجيب بالضرورة عن سؤال آخر:
هل ينبغي أن يحدث بهذا الحجم؟
وهنا يحق للصحافة وللرأي العام أن يطرحا السؤال.
المطلوب ليس تخفيف التضامن مع الإسرائيليين في هذه الحادثة.
ليس المطلوب أن نقلل من أهمية ما حدث على متن طائرة (فلاي دبي)، ولا أن نقلل من بطولة الطيار والركاب الذين ساهموا في منع كارثة محتملة.
بل المطلوب شيء أبسط وأكثر عدالة:
أن يصبح معيار التضامن هو الإنسان، لا هويته.
إذا كان قتل المدنيين في الطائرة إرهاباً، فإن قتل المدنيين في منزل أو مستشفى أو مخيم يجب أن يستدعي المستوى نفسه من الحساسية الأخلاقية.
وإذا كان تهديد طائرة مدنية يستحق استنفار الحكومات، فإن تهديد ملايين المدنيين الذين يعيشون تحت القصف أو في ظروف إنسانية كارثية يجب ألا يتحول إلى خبر عابر.
وإذا كان العالم قادراً على متابعة حادثة طائرة لحظة بلحظة، فعليه أن يمتلك القدرة نفسها على متابعة مصير المدنيين في مناطق الحروب، أياً كانت هويتهم.
فالعدالة الأخلاقية لا يمكن أن تكون انتقائية.
المشكلة ليست في إسرائيل وحدها… بل في المعايير الدولية
ومن الخطأ أيضاً اختزال المسألة بالقول إن (العالم يحب إسرائيل) أو إن كل وسائل الإعلام الدولية تعمل وفق أجندة واحدة.
الصورة أكثر تعقيداً.
هناك إعلام غربي انتقد إسرائيل بشدة، وهناك حكومات غربية اختلفت معها، وهناك منظمات دولية وثقت الانتهاكات التي تعرض لها الفلسطينيون، كما أن كثيراً من الصحف العالمية أفردت مساحات واسعة لمعاناة غزة.
لكن المشكلة التي تستحق النقاش هي التفاوت في سرعة الاستنفار السياسي وفي درجة الاهتمام وفي اللغة المستخدمة وفي حجم الضغط الدولي عندما يتعلق الأمر بضحايا مختلفين.
وهذا التفاوت، إن وجد، لا ينبغي مواجهته بتجاهل مأساة إسرائيلية، بل بالمطالبة بأن تصبح المأساة الفلسطينية واللبنانية والعربية محل اهتمام مماثل.
فالعدالة لا تتحقق بأن نسحب الاهتمام من ضحية لصالح ضحية أخرى.
العدالة تتحقق عندما يصبح الاهتمام بالضحايا متساوياً.
السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً
حادثة (فلاي دبي) تستحق التحقيق، والإدانة إذا ثبت أنها عمل إرهابي، والمحاسبة الكاملة لمن يقف خلفها.
لكنها يجب ألا تتحول إلى مناسبة جديدة لتثبيت قاعدة تقول إن حياة الإسرائيليين تستحق استنفار العالم أكثر من حياة الآخرين.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول نقد هذا الاستنفار إلى تبرير أو تقليل من خطورة أي اعتداء على مدنيين إسرائيليين.
المعيار الصحيح أبسط من كل ذلك:
المدني لا يصبح أكثر إنسانية لأنه إسرائيلي، ولا يفقد إنسانيته لأنه فلسطيني.
والإرهاب لا يصبح أكثر إرهاباً لأن ضحاياه إسرائيليون، ولا يصبح أقل إرهاباً عندما يكون ضحاياه عرباً.
لقد كشفت حادثة (فلاي دبي) شجاعة أشخاص منعوا كارثة جوية، وهذا يستحق الإشادة.
لكنها كشفت أيضاً، مرة أخرى، سؤالاً أكبر من الطائرة نفسها:
هل يستطيع العالم أن يبني معياراً واحداً للإنسان، أم أن قيمة الضحية ما زالت تتحدد، جزئياً، بحسب هويتها ومكانها والجهة التي تقف وراءها؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي ألا تخشاه الصحافة.
بل ربما يكون هو السؤال الأكثر حاجة إلى إجابة.
