استغربت أوساط سياسية لجوء الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم إلى تصعيد مواقفه في ملف السلاح، وتمسّكه برفض تسليمه أياً تكن المعطيات والضغوط والتهديدات والظروف التي يمر بها لبنان والمنطقة. وترى هذه الأوساط أن هذا الموقف لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما في ظل ارتفاع منسوب التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة لغة التهديد إلى الخطاب الأميركي.

وتعتبر الأوساط نفسها أن اللافت ليس فقط في مضمون موقف قاسم، وإنما في توقيته أيضاً. فبينما تتحرك الدولة اللبنانية في اتجاه فتح مسارات تفاوضية ومحاولة تثبيت موقعها كمرجعية وحيدة في إدارة الملفات السيادية، يصرّ “حزب الله” على رفع سقف موقفه من مسألة السلاح، وكأن”الحزب” لا يريد أن يدخل أي نقاش حول مستقبله العسكري قبل أن تتضح الصورة الإقليمية، وخصوصاً ما ستؤول إليه المواجهة بين واشنطن وطهران. وهذا ما يفتح الباب أمام أكثر من قراءة.
فالولايات المتحدة وإيران لم تخرجا حتى الآن من دائرة التصعيد، على رغم استمرار الاتصالات غير المباشرة. وقد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 26 أيلول الماضي مقترحاً إيرانياً كان يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات، فيما بقيت قنوات الوساطة قائمة، مع تمسك واشنطن بمطالب تتصل خصوصاً بالملف النووي.

والأكثر دلالة أن ترامب كان قد صعّد لهجته تجاه طهران، متحدثاً عن احتمال اتخاذ خطوات عسكرية واسعة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، في وقت أعلنت إيران من جهتها استعدادها لمواصلة المواجهة إذا فشلت الدبلوماسية.
في هذا المناخ، تقرأ الأوساط السياسية موقف قاسم على أنه رسالة مزدوجة: أولاً إلى الداخل اللبناني، ومفادها أن”الحزب” لا يعتبر أن الظروف الحالية تسمح بفتح ملف السلاح بمعزل عن التطورات الميدانية؛ وثانياً إلى الخارج، بأن أي تسوية إقليمية مقبلة لن تكون، من وجهة نظر “الحزب”، منفصلة عن موقعه ودوره في لبنان.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يعني ذلك أن “حزب الله” يتوقع بالفعل جولة جديدة من العنف في المنطقة؟
لا توجد، حتى الآن، معطيات علنية تسمح بالجزم بذلك. إلا أن التطورات العسكرية والسياسية المحيطة بإيران تجعل احتمال التصعيد جزءاً من الحسابات التي تجريها مختلف الأطراف. فقد أُفيد بأن إيران تستعد لرد أقوى في حال تعرضها لهجوم جديد، وأن جماعات حليفة لها في لبنان واليمن والعراق وُضعت في حالة استعداد، بالتوازي مع استمرار المساعي الدبلوماسية.
ومن هنا، قد يكون من المبكر اعتبار موقف قاسم مؤشراً حاسماً إلى قرار بالمواجهة، لكنه بالتأكيد يعكس أن “حزب الله” لا يتعامل مع ملف السلاح باعتباره ملفاً لبنانياً داخلياً صرفاً. ف”الحزب” يربط هذا الملف، في خطابه ومواقفه، بالسياق الإقليمي وبما يجري في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل أي تغيير في موازين القوى الإقليمية قابلاً لأن ينعكس على حساباته اللبنانية.
وفي المقابل، تتحرك الدولة اللبنانية في الاتجاه المعاكس، محاولًة تثبيت مفهوم أن الملفات السيادية يجب أن تُدار من خلال مؤسسات الدولة، وأن أي تفاوض حول الجنوب أو مستقبل الترتيبات الأمنية يجب أن يمر عبر المرجعية الرسمية اللبنانية. وهذا التباين هو الذي يجعل ملف السلاح أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات

الإسرائيلية ووجود مسار تفاوضي لبناني ـ إسرائيلي برعاية أميركية.
المفارقة أن المنطقة تقف أمام احتمالين متناقضين في الوقت نفسه: مسار تفاوضي يحاول إنتاج تسوية، ومسار عسكري يبقى مفتوحاً في حال فشلت التسوية. وفي مثل هذه الحالات، تصبح مواقف الأطراف جزءاً من عملية شد حبال لتحسين شروط التفاوض، لا بالضرورة إعلاناً عن قرار نهائي بالحرب.
لكن لبنان لا يستطيع أن يتعامل مع هذا المشهد وكأنه خارجي بالكامل. فكل تصعيد أميركي ـ إيراني ستكون له تداعيات مباشرة أو غير مباشرة على الساحة اللبنانية، خصوصاً إذا دخلت الأطراف الحليفة لإيران في المواجهة. وفي المقابل، فإن أي تفاهم أميركي ـ إيراني قد يعيد ترتيب أولويات المنطقة، ومن بينها ملف “حزب الله” وسلاحه وعلاقته بالدولة اللبنانية.
لذلك، فإن تشدد قاسم في هذا التوقيت يطرح سؤالاً يتجاوز السلاح نفسه. فهل يراهن “حزب الله” على مرحلة إقليمية جديدة قبل أن يحسم موقفه من مستقبل دوره في لبنان؟
فالجواب لن يأتي من الخطابات وحدها، ولا من التهديدات المتبادلة، بل من اتجاه الأحداث خلال الأسابيع المقبلة. فهل تنجح الوساطات في إعادة واشنطن وطهران إلى مسار تفاوضي جدي، أم يعود التصعيد إلى الواجهة؟ وهل يبقى لبنان قادراً على تحييد نفسه عن هذه المواجهة، أم يجد نفسه مجدداً أمام تداعيات صراع يتجاوز حدوده؟
وفي الحالتين، يبدو أن ملف سلاح “حزب الله” قد دخل مرحلة انتظار إقليمية جديدة؛ مرحلة قد يكون فيها قرار لبنان الداخلي مرتبطاً، بصورة أو بأخرى، بما سيحدث على طاولة التفاوض بين واشنطن وطهران، وبما إذا كانت هذه الطاولة ستبقى مفتوحة أم ستفسح المجال مجدداً للغة النار.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version