كلما مرّ الوقت على عهد الرئيس جوزف عون، ستصبح المعركة داخل الساحة المسيحية أكثر وضوحًا. فالقوى المسيحية الأساسية لن تنظر إلى السنوات المقبلة فقط من زاوية الانتخابات والتحالفات، بل من زاوية أبعد: من سيكون قادرًا على الوصول إلى بعبدا بعد انتهاء العهد الحالي؟
هذه المنافسة مرشحة لأن تصبح واحدة من أبرز عناوين المرحلة المقبلة، خصوصًا أن التوازن السياسي الذي حكم لبنان خلال السنوات الماضية تعرض لهزة كبيرة بفعل الحرب الإسرائيلية والتحولات التي أصابت نفوذ “حزب الله” ودوره الداخلي. وفي مثل هذه المراحل، تبدأ القوى بإعادة حساباتها والبحث عن موقعها في التوازن الجديد.
“القوات اللبنانية” تدخل هذه المرحلة من موقع متقدم مسيحيًا، بعدما برزت كأكبر حزب مسيحي في نتائج انتخابات 2022. لكن المشكلة بالنسبة إليها أن نجاح عهد جوزف عون قد يصنع مرجعية مسيحية مستقلة وقوية خارج إطارها. لذلك سيكون أمام “القوات” تحدٍ دقيق: كيف تحافظ على موقعها المعارض من دون أن تظهر وكأنها تخوض معركة مباشرة مع رئاسة الجمهورية؟ وفي الحسابات السياسية، فإن تعثر العهد أو فشله قد يمنح “القوات” فرصة لتقديم مشروعها باعتباره البديل المسيحي القادر على إدارة المرحلة المقبلة، بينما نجاح الرئيس سيجعل هذه المهمة أكثر تعقيدًا.
في المقابل، يبدو “حزب الكتائب اللبنانية” أقرب إلى معادلة مختلفة. فهو يستطيع الاستثمار في علاقة إيجابية مع العهد ومحاولة تقديم نفسه كأحد أبرز الحلفاء المسيحيين للرئيس. وقد ظهر خلال العام الحالي تقارب واضح بين قيادة الكتائب والرئيس، ضمن حركة أوسع للقوى المسيحية باتجاه بعبدا. حساب الكتائب هنا بسيط سياسيًا: إذا تمكن العهد من تحقيق اختراق داخلي أو تسوية سياسية كبيرة، فإن القوى التي وقفت إلى جانبه ستكون قادرة على محاولة تحويل هذا النجاح إلى رصيد سياسي وشعبي.
أما “التيار الوطني الحر”، فمعادلته أكثر تعقيدًا. النائب جبران باسيل يحتاج إلى إبقاء مسافة تسمح له بالتحرك في أكثر من اتجاه. فهو لا يستطيع التخلي بالكامل عن العلاقة السياسية التي بناها “التيار” خلال سنوات مع “حزب الله”، وفي الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل التحولات التي أصابت البلاد وموازين القوى. و”التيار”، الذي خسر موقع الحزب المسيحي الأكبر في انتخابات 2022، يحتاج إلى إعادة بناء سرديته السياسية قبل أي استحقاق رئاسي جديد.
هنا تحديدًا تكمن مخاطرة باسيل. فإذا تعثر المشروع السياسي الذي ارتبط به “التيار” خلال السنوات الماضية، يستطيع أن يقول لجمهوره إنه قادر على إعادة التموضع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الموقع المسيحي عبر علاقاته وخبرته السياسية. أما إذا نجح خصوم هذا المشروع في فرض توازن سياسي جديد، فقد يجد باسيل نفسه أمام السؤال الأصعب: ماذا حقق “التيار” من خياراته السابقة؟
لهذا يحاول “التيار” الإبقاء على خطاب يسمح له بالاعتراض والتقارب في آن واحد، من دون إغلاق الأبواب نهائيًا مع أي طرف.
المعركة الرئاسية المقبلة، إذًا، قد تكون بدأت قبل موعدها بسنوات. “القوات” تريد تثبيت تقدمها، “الكتائب” تراهن على نجاح العهد، و”التيار” يبحث عن إعادة التموضع. وبين الثلاثة يقف الرئيس جوزف عون نفسه في الصدارة لأن نجاح عهده أو تعثره لن يحدد فقط صورة السنوات المقبلة، بل قد يعيد رسم خريطة الزعامة المسيحية كلها.
