من إشارة طوارئ غامضة إلى إطلاق مقاتلات في الجو والاستعداد لاحتمال خطف طائرة مدنية، كشفت حادثة رحلة “فلاي دبي” جانبًا من الإجراءات التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي عند الاشتباه بتهديد جوي، وصولًا إلى السيناريو الأكثر تطرفًا المتمثل في إسقاط الطائرة إذا تحولت إلى خطر واسع على الأرض أو على منشآت استراتيجية.
وبحسب تقرير للصحافي إليشاع بن كيمون في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، كانت المعلومات المتوافرة في إسرائيل خلال الساعات الأولى من حادثة رحلة “فلاي دبي” محدودة، فيما تعامل الجيش الإسرائيلي منذ البداية مع احتمال وجود عملية خطف، وهو سيناريو يقول التقرير إن سلاح الجو يتدرب عليه بصورة دورية.
وبعد وقت قصير من تلقي الإنذار بشأن ما يجري داخل الطائرة، أُطلقت مقاتلتان تابعتان لسلاح الجو الإسرائيلي بهدف مرافقة الطائرة إلى حين اتضاح الصورة واتخاذ قرار بشأن كيفية التعامل مع الحادث.
وجاء إطلاق المقاتلات ضمن إجراءات يتدرب عليها الجيش الإسرائيلي باستمرار في الحالات التي تنحرف فيها طائرة مدنية متجهة إلى إسرائيل عن مسارها المحدد، أو تتوقف عن الرد على الاتصالات، أو ترسل إشارة استغاثة أو رموز طوارئ، فضلًا عن سيناريو الاشتباه بعملية خطف.
وعند الحاجة، يتم إرسال مقاتلات للتعرف إلى الطائرة ومرافقتها، بالتوازي مع دراسة إمكان إغلاق المجال الجوي.
ويشير التقرير إلى أن مهمة المقاتلات في مثل هذه الحالات تتمثل في توفير رد على أي محاولة من خاطفين أو مسلحين لتوسيع نطاق الحادث، ومنع وقوع إصابات إضافية بين الركاب وأفراد الطاقم أو استهداف منشآت استراتيجية.
كما يمنح وجود المقاتلات السلطات الإسرائيلية خيار إسقاط الطائرة إذا اقتضت الضرورة ذلك، أو توجيهها تحت الحماية إلى الهبوط في مطار آمن.
لكن قرار إسقاط طائرة مدنية بواسطة مقاتلات يُعد، بحسب التقرير، إجراءً استثنائيًا إلى أقصى الحدود، ولا يُتخذ إلا بعد مشاورات مع كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية الذين يعملون وفق توجيهات المستوى السياسي.
ويُطرح هذا السيناريو بهدف منع وقوع أضرار أكبر وأكثر خطورة، مثل سقوط أعداد كبيرة من الضحايا على الأرض إضافة إلى الموجودين داخل الطائرة، أو استهداف منشآت استراتيجية يمكن أن يؤدي تدميرها إلى أضرار جسيمة بأمن إسرائيل.
وفي ظل انتشار معلومات غير مؤكدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الحادثة، شدد سلاح الجو، وفق التقرير، على أن تفعيل الأمر العسكري المختص، الذي يُحظر نشر اسمه، لا يعني بالضرورة أن ما يجري هو حادث أمني.
فسلاح الجو الإسرائيلي يبقى في جهوزية متواصلة للتعامل مع مجموعة متنوعة من التهديدات الجوية ومنع اختراق المجال الجوي الإسرائيلي، مع تشغيل منظومات المراقبة على مدار الساعة لرصد المجال الجوي والكشف عن أي تحركات غير اعتيادية أو تهديدات محتملة.
ويشمل هذا الاستعداد القدرة على إطلاق الطائرات خلال فترات زمنية قصيرة، استنادًا إلى صورة جوية متواصلة وقوات موضوعة في حالة تأهب، إلى جانب تدريبات دورية على سيناريوهات مختلفة.
والهدف، وفق التقرير، هو اكتشاف أي حدث غير اعتيادي في مرحلة مبكرة، واتخاذ القرارات بسرعة، ثم اختيار الرد المناسب وفق تطورات الموقف.
ومن بين السيناريوهات التي يتدرب عليها سلاح الجو بصورة دورية ما يتعلق بالطائرات المدنية المتجهة إلى إسرائيل. وبموجب أمر خاص، يمكن التعامل مع أوضاع يبرز فيها احتمال تطور حادث غير عادي، بما في ذلك سيناريو خطف الطائرة أو محاولة استخدامها لتنفيذ اعتداء جوي، أو احتمال تعمد شخص داخلها إسقاطها بمن على متنها.
ولا يقتصر تشغيل هذا الإجراء على الاشتباه بخطف الطائرة، إذ يمكن تفعيله عندما تنحرف طائرة عن مسار الرحلة المخطط له، أو عندما لا ترد على نداءات الاتصال، أو تبث إشارة استغاثة، أو تعاني عطلًا فنيًا، أو تقع على متنها حالة طبية تستوجب هبوطًا اضطراريًا.
ومع تفعيل الأمر، تبدأ إجراءات لحماية المجال الجوي قد تصل في بعض الحالات إلى إغلاقه بالكامل، بهدف منع تطور الحادث إلى أضرار أكثر خطورة.
وفي الوقت نفسه، وكما حدث خلال واقعة “فلاي دبي”، يمكن إطلاق مقاتلات للتعرف إلى الطائرة المدنية ومرافقتها، فيما تُجرى بصورة متواصلة عملية تقييم للوضع حتى تتضح ملابسات الحادث ويزول مصدر القلق.
ويقول التقرير إن سلاح الجو يتدرب بانتظام على هذه الاستجابة، مع التركيز على تقليص زمن التحرك والقدرة على الانتقال بسرعة من اكتشاف حركة غير اعتيادية إلى فهم صورة الوضع وتشغيل الوسائل المناسبة.
ويشدد الجيش الإسرائيلي على أن تفعيل الأمر لا يعني بالضرورة وجود شبهة بحادث أمني، إذ قد يتم اللجوء إليه أيضًا بسبب عطل تقني أو مشكلة في الاتصالات أو انحراف عن مسار الرحلة أو خطأ بشري يرتكبه طاقم الطائرة.
وبحسب الإجراءات المعتمدة، يخضع كل حادث غير اعتيادي للفحص والمعالجة إلى حين إزالة المخاوف واستكمال صورة الوضع بالكامل.
ويواصل سلاح الجو إبقاء قواته في حالة تأهب لحماية الأجواء والحدود في الظروف العادية وحالات الطوارئ، مع قدرة على الانتقال خلال فترة قصيرة من الروتين المعتاد إلى استجابة عملياتية تبعًا لمسار الحدث.
وكانت الرحلة قد أثارت استنفارًا بعدما أرسلت لفترة وجيزة رموز طوارئ، بينها الرمز 7500 المرتبط بالاشتباه في تدخل غير مشروع أو خطف طائرة، ما دفع سلاح الجو إلى إطلاق مقاتلات، قبل أن تهبط الطائرة في السعودية. وأكدت التقارير الأولية في حينه أن المعلومات عن طبيعة الحادث لم تكن محسومة بعد.
وأشار تقرير “يديعوت أحرونوت” كذلك إلى أن المواد المصورة ومقاطع الفيديو التي أُدرجت في التغطية نُشرت استنادًا إلى المادة 27أ من قانون حقوق النشر، مع إتاحة المجال أمام أصحاب الحقوق للمطالبة بإزالة المحتوى أو إضافة اسم صاحب الحق.
وهكذا، فإن ما بدأ بإشارة غير واضحة من طائرة مدنية كشف تدريجيًا عن منظومة كاملة من الإجراءات العسكرية تبدأ بالمراقبة والاستنفار والمرافقة الجوية، ولا تستبعد في حال تحول الطائرة إلى تهديد واسع الوصول إلى القرار الأصعب: إسقاطها قبل أن يتحول الخطر في الجو إلى كارثة على الأرض.
