من عبارة مقتضبة عن “حادث خلال الرحلة” إلى روايات عن عراك داخل قمرة القيادة ومحاولة للسيطرة على الطائرة وإسقاطها، تحولت الرحلة FZ1073 التابعة لـ”فلاي دبي” من واقعة طيران طارئة إلى مادة ساخنة في الإعلام العربي، وسط تفاوت واضح بين حذر وسائل الإعلام الإماراتية والخليجية والتغطيات الأكثر دراماتيكية خارج المنطقة، فيما بقيت الروايات الأخطر من دون تأكيد رسمي من الشركة أو السلطات السعودية.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، حظيت رحلة “فلاي دبي” FZ1073، التي كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب قبل أن تهبط اضطراريًا في مدينة تبوك السعودية، بتغطية واسعة وسريعة في وسائل الإعلام العربية، إلا أن طبيعة الرواية اختلفت بصورة كبيرة من منصة إلى أخرى.
وفي الإمارات، التزمت وسائل الإعلام في الساعات الأولى إلى حد كبير بالصيغة الرسمية الصادرة عن شركة الطيران. فقد ذكرت صحيفة “غالف نيوز” أن الطائرة المتجهة إلى تل أبيب “تعرضت لحادث خلال الرحلة”، ما أدى إلى تغيير مسارها والهبوط بسلام في مطار تبوك، مؤكدة أن جميع الركاب بخير وأن الشركة تعمل بالتنسيق مع السلطات المختصة. وقد أكدت “فلاي دبي” بالفعل أن الرحلة هبطت بسلام وأن الركاب كانوا بأمان.
ولاحقًا، أضافت “غالف نيوز” أن بيانات موقع “Flightradar24” أظهرت أن الطائرة أرسلت في البداية الرمز 7700، الذي يشير إلى حالة طوارئ عامة، قبل أن تبث لفترة وجيزة الرمز 7500 المستخدم للدلالة على تدخل غير مشروع أو اشتباه بمحاولة خطف، مع التأكيد أن سبب إرسال هذه الرموز لم يكن قد تأكد في حينه. وتؤكد بيانات تتبع الرحلة انتقال الإشارة بين 7700 و7500 قبل الهبوط في تبوك.
وسلكت صحف “خليج تايمز” و”البيان” و”الخليج” و”الإمارات اليوم” الخط نفسه تقريبًا، إذ نقلت بصيغ متقاربة بيان “فلاي دبي” الذي تحدث عن “حادث” أو “واقعة غير متوقعة” خلال الرحلة، وعن هبوط آمن في السعودية وسلامة الركاب.
ولم تمنح التغطيات الإماراتية الأولى أي تأكيد لروايات تتحدث عن محاولة انتحار أو محاولة إسقاط الطائرة أو عمل إرهابي، في انعكاس واضح لحرص وسائل الإعلام المحلية على الالتزام بالمعلومات الرسمية المتاحة في الساعات الأولى من الحادث.
كذلك اتخذت قناة “العربية” السعودية في البداية موقفًا حذرًا نسبيًا، وسلطت الضوء على تصريح المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي قال إن ما جرى لا يتعلق بعملية خطف طائرة، في محاولة لتبديد المخاوف الأولية التي أثارها ظهور الرمز 7500.
لكن بعيدًا من الإعلام الخليجي الرسمي أو القريب من المؤسسات الرسمية، بدأت الرواية تتغير سريعًا.
فصحيفة “القدس العربي” نشرت عنوانًا يتحدث عن “عراك بين طيارين أدخل إسرائيل في حالة تأهب”، مشيرة إلى أن إشارة الخطف ربما فُعلت أثناء مواجهة وقعت بين الطيارين داخل قمرة القيادة.
وأضافت الصحيفة، وفق تقرير “معاريف”، أن إسرائيل دفعت بطائرات مقاتلة إلى الجو، وأن نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أجريا مشاورات أمنية عاجلة على خلفية الحادث.
أما موقع “العربي الجديد”، فذهب أبعد من ذلك، إذ ذكر في تحديث لتغطيته أنه إلى جانب الرواية المتعلقة بعراك في قمرة القيادة، ظهرت تقارير تتحدث عن “محاولة انتحار مزعومة” من جانب أحد الطيارين.
ومع ذلك، شدد الموقع على أن التحقيق لا يزال جاريًا وأن هذه الادعاءات لم تحصل على تأكيد رسمي من شركة “فلاي دبي” أو من السلطات السعودية.
وتصاعدت حدة الروايات أكثر في وسائل إعلام عربية اعتمدت على مصادر وتقارير إسرائيلية.
ففي تقرير جرى تداوله باسم قناة “الجزيرة”، ورد أن الشبهات لدى جهات أمنية إسرائيلية تصاعدت إلى احتمال أن يكون أحد الطيارين قد حاول السيطرة على الطائرة وإسقاطها، فيما حاول الطيار الآخر منعه.
وأضاف التقرير أن إسرائيل لم تستبعد في مرحلة معينة احتمال ارتباط الواقعة بعمل إرهابي، وأنها كانت تنتظر نتائج التحقيق الذي تجريه السلطات السعودية.
كما تبنت “RT عربية” جانبًا من الرواية الأكثر دراماتيكية، ونقلت عن تقارير إسرائيلية أن أحد الطيارين حاول الانتحار، وأن المواجهة التي وقعت داخل قمرة القيادة أدت إلى تفعيل رموز الطوارئ وتغيير مسار الرحلة.
إلا أن “RT عربية” أوضحت بدورها أن هذه المعلومات تستند إلى وسائل إعلام ومصادر إسرائيلية، وليست إلى إعلان رسمي صادر عن “فلاي دبي” أو السلطات السعودية.
وبالفعل، أكدت الجهات السعودية رسميًا هبوط الرحلة اضطراريًا في تبوك بعد تلقي نداء استغاثة، وأعلنت إصابة قائد الطائرة ومساعده ونقلهما إلى المستشفى، لكنها لم تعلن في بيانها الأول سبب الإصابات أو تؤكد الروايات المتعلقة بمحاولة السيطرة على الطائرة أو إسقاطها، فيما قالت إن التحقيقات مستمرة.
وهكذا، رسمت الساعات الأولى بعد الحادث صورتين مختلفتين تمامًا في الإعلام العربي: في دبي والخليج، تركيز على الهبوط الآمن وسلامة الركاب وانتظار التحقيقات، وفي منصات أخرى انتقال تدريجي من الحديث عن عراك بين الطيارين إلى شبهات باستيلاء على الطائرة وصولًا إلى ادعاءات عن محاولة متعمدة لإسقاطها.
وبين هذه الروايات المتصاعدة، تبقى النقطة الأساسية أن “فلاي دبي” والسلطات السعودية لم تكونا، عند نشر التقارير المشار إليها، قد أكدتا رسميًا الادعاءات الأخطر بشأن محاولة الانتحار أو إسقاط الطائرة، ما يجعلها روايات خاضعة للتحقيق لا حقائق محسومة، في حادثة أظهرت كيف يمكن لرمز طوارئ واحد أن يحول واقعة جوية خلال دقائق إلى سلسلة متنافسة من السيناريوهات الأمنية والإعلامية.
