لم تعد العلاقة بين رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل و”حزب الله” تقف عند حدود خلاف سياسي يمكن ترميمه باجتماع أو اتصال، فما يجري أبعد من مجرد سجال وأعمق من تباين حول ملف أو موقف، خصوصاً أن الرجل الذي شكّل تياره لسنوات الغطاء المسيحي الأبرز لـ”الحزب”، يتقدّم اليوم في اتجاه سياسي مختلف، فيما تبدو صفحة التحالف القديم وكأنها بلغت سطورها الأخيرة.
وفي هذا السياق، بدأت ملامح الاتجاه السياسي الجديد لباسيل تتضح أكثر في الآونة الأخيرة، مع تحركات تتجاوز حدود الداخل اللبناني وتفتح أمامه حسابات مختلفة، في وقت يعيد فيه ترتيب موقعه داخل الشارع المسيحي على وقع العلاقة المتصدّعة مع “حزب الله”.
وتضع مصادر سياسية مطلعة هذا التحول في خطاب باسيل ضمن مشهد يتجاوز خلافه مع “حزب الله”، متحدثة عن سعي واضح لديه لبناء علاقة مع جهة خارجية باتت تبدي اهتماماً بموقعه والدور الذي يمكن أن يؤدّيه في المرحلة المقبلة. ولعلّ هذه العلاقة لا تنفصل عن حسابات باسيل في الداخل، وتحديداً في الشارع المسيحي، حيث يسعى رئيس ”
ad
التيار” إلى استعادة جزء من المساحة التي تقدمت فيها “القوات اللبنانية”، وإعادة تثبيت نفسه في موقع يسمح له بمنافسة رئيس الحزب سمير جعجع على الحضور والقرار المسيحي.
من هنا، يصبح الابتعاد عن “حزب الله” جزءاً من إعادة تموضع سياسي تتجاوز حدود العلاقة بين «ميرنا الشالوحي» و«حارة حريك». فباسيل الذي استفاد لسنوات من تحالف شكّل أحد مصادر قوته السياسية، بات ينظر إليه اليوم، وفق حساباته الجديدة، كعبء على الموقع الذي يحاول بناءه في الداخل والخارج، في وقت تتقاطع فيه هذه الحسابات مع رؤية الجهة التي يسعى إلى توثيق علاقته بها للساحة اللبنانية ولدورها في المرحلة المقبلة.
وتشير المصادر إلى أن أحد أهداف هذه الجهة يتمثل في تفكيك شبكة العلاقات السياسية المحيطة بـ”حزب الله”، ولا سيما على الساحة المسيحية، انطلاقاً من أن حضوره السياسي خلال السنوات الماضية لم يستند إلى بيئته وحدها، بل تعزّز بتحالفات منحته امتداداً خارجها، وكان تفاهم «مار مخايل» أبرزها مسيحياً. ومن هذا المنطلق، يكتسب إبعاد “التيار” عن “الحزب” أهمية تتجاوز انتقال باسيل من موقع سياسي إلى آخر، ليصبح جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى سحب حلفاء “الحزب” من حوله ودفعه نحو مزيد من العزلة السياسية.
وتزداد أهمية باسيل في هذه المعادلة انطلاقاً من استمراره في قيادة تيار وكتلة نيابية يحتفظان بحضور وازن في الشارع المسيحي، ما يمنح ابتعاده عن “حزب الله” قيمة تتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة. أما الرهان الأكبر، فيكمن في قدرته على استعادة جزء من المساحة التي خسرها خلال السنوات الماضية، بما يتيح له العودة إلى منافسة جعجع من موقع جديد، بعيداً عن الاصطفاف الذي حكم حركته طوال سنوات التحالف مع الحزب.
ورغم المسافة التي قطعها باسيل بعيداً عن “حزب الله”، لا تتعامل المصادر مع هذا المسار باعتباره قطيعة نهائية. فحركته السياسية تبقى مرتبطة بحسابات المرحلة وبما يمكن أن يحصّله منها، ما يجعل إعادة التموضع واردة إذا تبدلت الظروف أو تغيّرت المصالح التي تدفعه اليوم في هذا الاتجاه.
ولعل إبقاء قنوات التواصل مع “الحزب” مفتوحة يعكس هذا الواقع بوضوح. فحدّة الخلاف لم تدفع باسيل إلى إقفال الطريق خلفه، كما لم تصل المواجهة إلى نقطة تمنع أي تقاطع لاحق إذا فرضته الحسابات. ورغم أن العلاقة القديمة بصيغتها السابقة تراجعت، لكن المسافة الجديدة لم تتحول بعد إلى قطيعة يصعب الرجوع عنها.
في المحصلة، لا يبدو أن باسيل انتقل من تحالف ثابت إلى آخر، بقدر ما يحاول التحرر من موقع لم يعد يخدم حساباته وبناء هامش أوسع لحركته. وما دام هذا التحول قائماً على تقاطع مصالح وليس على تحالف محسوم، فإن اتجاهه سيبقى مرتبطاً بما سيجنيه من موقعه الجديد. عندها فقط سيتّضح ما إذا كان ابتعاده عن “حزب الله” تحولاً طويل الأمد، أم محطة أخرى في مسار اعتاد فيه باسيل أن يعيد ترتيب أوراقه كلما تبدلت موازين السياسة.
