حتى المناسبات التي يُفترض أن تجمع اللبنانيين حول علمهم وتراثهم لم تسلم من التجاذبات السياسية. ففي راشيا، طغت الخلافات على التحضير لـ”يوم الدبس”، لتضع مناسبة انطلقت بروح جامعة أمام انقسامات يربطها مصدر محلي بمناكفات أعقبت الانتخابات البلدية.
المناسبة، التي بدأت عام 2016 للتعريف بصناعة الدبس واستقبال أبناء البلدة وزوارها، تحوّلت مع السنوات إلى مساحة للاحتفاء بالتراث والمنتجات المحلية في السوق الأثري. لكن التحضير لنسخة 2026 أعاد الخلاف على الشراكة والتنظيم إلى الواجهة، وترافق مع رفض رفع العلم اللبناني الذي امتدّ فوق السوق في النسخة السابقة.
وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، يتمحور النزاع حول اتفاق التعاون بين بلدية راشيا وجمعية “راشيا أند بيوند”، ودور أصحاب المعاصر في التحضير واتخاذ القرارات. غير أن أحد سكان راشيا يكشف، أن خلفية الخلاف تتجاوز هذه التفاصيل، ويربطها بالخصومة السياسية التي أعقبت الانتخابات البلدية.
ويقول في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، إن عدم فوز شقيق بهاء كاداماني صاحب مبادرة وضع العلم، مقابل فوز اللائحة التابعة لأحد الأحزاب، انعكس على العلاقة بين الأطراف، معتبراً أن “رفض رفع العلم جاء في سياق هذه المناكفات”.
والعلم، الذي كان يُفترض أن يصبح عنصراً ثابتاً في هوية المناسبة، طُرحت فكرته عام 2024 لتوفير الظل للعارضين والزوار، بدلاً من الخيم المستأجرة. وصُنع على هذا الأساس “أطول علم لبناني”، إلا أن الحرب حالت دون إقامة المهرجان ورفعه في ذلك العام.
وفي عام 2025، ظهرت، بحسب مصدر محلي، اعتراضات على رفعه، قبل أن تؤدي مراجعات وتدخّلات من أبناء البلدة إلى الموافقة. يومها، ارتفع العلم فوق السوق الأثري وأصبح جزءاً بارزاً من صورة “يوم الدبس”، بمشاركة البلدية والجمعية والمعصرة والمتطوعين.
لكن تلك التسوية لم تتحوّل إلى توافق دائم. فمع التحضير للنسخة الجديدة، تجدّد رفض رفع العلم، ولم تحظَ مبادرات لنقله إلى مواقع أخرى بالموافقة أيضاً، وفق المصدر. وتزامن ذلك مع اعتراض كاداماني على اتفاق التعاون بين البلدية والجمعية، معتبراً أنه تجاهل سنوات من العمل والشراكة، وصولاً إلى إعلان انسحابه من المناسبة.
إلا أن ما يجري يطرح سؤالاً يتجاوز راشيا وتفاصيل العلاقة بين منظّمي الحدث: كيف تحافظ المناسبات الوطنية والتراثية على دورها الجامع إذا امتدت إليها الخصومات الانتخابية؟
فـ”يوم الدبس” يفترض أن يكون مساحة يلتقي فيها أبناء البلدة وزوارها حول تراث مشترك وعلم واحد. أما حين تطغى المناكفات على التحضير له، فإن الخسارة تتجاوز انسحاب شريك أو تعثّر اتفاق، لتطال قدرة المناسبة نفسها على جمع الناس بعيداً عن اصطفافاتهم السياسية.

