في خطاب القسم، تعهّد رئيس الجمهورية جوزاف عون بالاستثمار “في العلم ثم العلم ثم العلم، وفي المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية”. لكنّ هذا الوعد يبدو بعيدًا عن يوميات عائلات تودّع أبناءها صباحًا لتستقبلهم عند الساعة 11 أو 12 ظهرًا. في متوسطة سليم حيدر الرسمية المختلطة في بدنايل البقاع، على سبيل المثال، تشكو عائلات من بقاء حصص في الرياضيات والأحياء والكيمياء بلا تعليم. بالنسبة إليها، لا يُقاس نجاح العام الدراسي بتاريخ افتتاحه، بل بما يتعلّمه أبناؤها فعلًا.
من هنا تبدأ مسؤولية وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي. فقد حُدّد 15 أيلول موعدًا لبدء الدراسة، فيما تحدّثت الوزيرة عن انطلاقة تدريجية. يمكن تفهّم التدرّج إذا رافقته خطة معلنة ومهل واضحة لتأمين الأساتذة واستكمال الحصص. أما افتتاح العام قبل اكتمال هذه المقوّمات، فيترك التلميذ يدفع ثمن الانتظار. وقول الوزيرة إن المدارس الرسمية لا تنتظم عادة قبل تشرين الثاني يطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه: لماذا يُقبل أن يخسر التلميذ شهرًا أو أكثر من التعليم المنتظم؟
ويزيد ملف الأساتذة المتعاقدين هذا السؤال إلحاحًا، في ظل حديث عن تعليق عمل نحو 3500 أستاذ ريثما تُدرس ملفاتهم. تدقيق الوزارة في الملفات حق وواجب، لكن طريقة تنفيذه يجب أن تصون حق التلامذة في التعلّم. فغياب الأستاذ ليس شاغرًا إداريًا فحسب؛ إنه حصة تضيع وفجوة تتسع كل يوم. لذلك، لا يكفي إعلان مراجعة الملفات من دون توضيح من يشملهم الإجراء، ومتى يُحسم وضعهم، وكيف ستُعوَّض الحصص المفقودة.
ثم يأتي دمج المدارس الرسمية في بلد خرج من سنة حرب ونزوح. قد تكون للدمج مبررات إدارية أو تربوية، لكن أثره لا يُختصر بعدد المباني. بالنسبة إلى أسرة محدودة الدخل، قد تعني المدرسة الأبعد كلفة نقل لا تستطيع تحمّلها، أو وقتًا أطول على الطريق، أو حتى إبقاء طفلها في المنزل. وأي خطة دمج لا تعالج النقل وإمكان الوصول إلى الصف مسبقًا، تضع حق التعليم تحت ضغط إضافي.
ولا تقل صعوبة أوضاع طلاب الصفوف الانتقالية في بيروت وجبل لبنان ممن تعطّلت دراستهم خلال الحرب أو تحوّلت مدارسهم إلى مراكز نزوح. إن مراجعة حالات الرسوب لا تعني المطالبة بنجاح تلقائي، بل بتقييم منصف يراعي ما تعلّمه الطالب فعلًا وما حُرم من فرصة تعلّمه. فلا يجوز محاسبته على حصص لم تُتح له.
وفي موازاة ذلك، تستدعي الأسئلة المثارة بشأن تعيين مديري المدارس ونقل مديرات من مواقعهن نشر معايير هذه القرارات بوضوح. فالإدارة المدرسية تؤثر في انتظام الدوام وثقة الأهالي، والشفافية في اختيارها جزء من حماية المدرسة الرسمية.
في هذا السياق، تعبّر المطالبات المنتشرة بإقالة ريما كرامي عن أزمة ثقة تتجاوز الخلاف على موعد بدء الدراسة أو قرار إداري واحد. لكن تغيير الوزيرة، إن حصل، لن يعيد وحده ما فاته التلامذة. المطلوب مساءلة واضحة، دوام كامل، وأساتذة في صفوفهم، وخطة نقل ترافق دمج المدارس، وآلية لتعويض الفاقد التعليمي. عندها فقط يمكن أن ينتقل وعد “العلم ثم العلم” من خطاب القسم إلى مقعد التلميذ في المدرسة الرسمية.
