كتب أيمن جزيني في اساس ميديا:
لا يحتاج الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم إلى كثير من الشرح. فخطابه، منذ أن دخل لبنان حرب “الإسناد” في الثامن من تشرين الأوّل سنة 2023، بات أقرب إلى سيرة مكرّرة لهزيمة ثقيلة نزلت على البلد، تُعاد فصولها باللغة نفسها، وتُستعاد فيها المبرّرات ذاتها، من دون أن تضيف إلى اللبنانيّين الكثير ممّا يستحقّ التوقّف عنده. استُهلك هذا الكلام إلى حدّ لم يعد معه الإصرار على الاستماع إلى السرديّة نفسها يقدّم تفسيراً جديداً لما جرى، ولا جواباً عن السؤال الأهمّ: ماذا بعد؟
الجديد، في المقابل، كان في كلام رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمّد رعد، حين طالب رئيس الجمهوريّة جوزف عون بأن “يحكم وفق نصّ الدستور ووثيقة الوفاق الوطنيّ”. فهذه العبارة، التي قد تبدو للوهلة الأولى مطالبةً طبيعيّة بالتزام الرئيس بواجباته الدستوريّة، تحمل، إذا أُخذت على محملها السياسيّ، أكثر ممّا توحي به في ظاهرها.
الدستور ليس مرجعيّة للرئاسة وحدها، ولا سقفاً يُطلب من خصوم “الحزب” احترامه فيما يُستثنى منه “الحزب” عند القضايا التي يعتبرها جزءاً من وظيفة “المقاومة”. الدستور، إذا كان هو المرجعيّة، يفترض أن يكون سقفاً للجميع: للرئيس والحكومة والبرلمان والأحزاب والطوائف والقوى الاجتماعيّة، وللقوّتين السياسيّة والعسكريّة على السواء.
من هنا يبدأ السؤال الحقيقيّ الذي يفتحه كلام رعد، وهو أعمق بكثير من السؤال عمّا إذا كان جوزف عون يحكم وفق الدستور أو لا يحكم. أن يحكم عون بموجب الدستور فهذا واجبه. السؤال هو: ماذا يعني أن يصبح الدستور مرجعيّة ملزمة للجميع؟ ماذا يحدث عندما تطالب قوّة سياسيّة الدولة بالاحتكام إلى الدستور، فيما يقود الاحتكام الكامل إلى هذا الدستور نفسه إلى إعادة طرح موقع السلاح والقرار السياديّ ووظيفة “المقاومة” داخل الدولة؟
لبنان يعيش تعدّد الشّرعيّات
لبنان لا يعاني فقط أزمة في تفسير النصوص، بل أزمة في مصادر الشرعيّة نفسها. هناك شرعيّة الدولة المستندة إلى الدستور والمؤسّسات والانتخابات، وهناك شرعيّات سياسيّة واجتماعيّة نشأت من الحرب و”المقاومة” والتمثيل الطائفيّ والقدرة على الحماية.
إذا احتفظ “الحزب” بحقّ تعريف الخطر والمصلحة والدفاع، فإنّ الدولة لا تكون المرجعيّة النهائيّة بعد
في حالة “الحزب”، لم تتشكّل شرعيّته داخل بيئته من السلاح وحده. فقد راكم عبر عقود تمثيلاً سياسيّاً وتعبئة اجتماعيّة ومؤسّسات وخدمات وشبكات تضامن، إلى جانب وظيفته العسكريّة. وهذا ما جعل علاقته ببيئته تتجاوز علاقة الحزب التقليديّ بناخبيه، وجعل سلاحه جزءاً من بنية أوسع من الهويّة والحماية والتمثيل.
لذلك السؤال: ما الوظيفة التي يؤدّيها السلاح في علاقة الجماعة بنفسها وبالدولة وبمحيطها؟
هنا يقع الفارق بين الدولة و”الحزب”. الأخير يستطيع أن يمثّل جماعة وأن يدافع عن مصالحها وأن يقدّم لها رؤية للأمن والسياسة. أمّا الدولة فوظيفتها أن تكون الإطار الذي تتساوى داخله الجماعات، وأن تكون المرجعيّة التي لا تحتاج إلى شرعيّة إضافيّة كي تمارس سلطتها.
من الجماعة الحامية إلى “الحزب”
من هنا يمكن فهم التحوّل الذي يواجهه “الحزب” بعيداً من الاختزال الشائع للمسألة في “حزب يريد السلاح” و”دولة تريد نزعه”.
“الحزب” نشأ وتوسّع في بيئة كان الأمن فيها وظيفة تتهم الدولة بأنها لا تستطيع أداءها بصورة كاملة. وفي مثل هذه الظروف لا تبقى الجماعة مجرّد كتلة ناخبة، بل تتحوّل إلى مجتمع سياسيّ وعسكريّ. لذا يصبح السؤال: ماذا يحدث عندما تصبح الدولة نفسها موضوع التفاوض؟
الحزب
هنا لا تعود المسألة مجرّد سلاح. إنّها إعادة تعريف لموقع الجماعة داخل النظام: فهل تبقى صاحبة وظيفة أمنيّة وسياديّة استثنائيّة؟
الأعمق من ذلك، هو وجود تصوّرين للشرعيّة الوطنيّة: تصوّر يرى أنّ حماية لبنان لا تستقيم إلّا عندما تصبح الدولة صاحبة القرار السياديّ النهائيّ، وتصوّر يرى أنّ المقاومة تستطيع الاحتفاظ بوظيفة استثنائيّة ما دامت الدولة غير قادرة على إزالة التهديد الخارجيّ.
اللافت أنّ الطرفين يستخدمان مفردات متشابهة: السيادة، حماية لبنان، المصلحة الوطنيّة، الدفاع، والدولة. لكنّ الخلاف الحقيقيّ يقع في مكان آخر: من يملك حقّ تعريف هذه المفاهيم؟
المهمّ في كلام رعد ليس مضمونه المباشر فقط، بل اللغة التي يستخدمها
إذا كانت الدولة تحدّد المصلحة الوطنيّة، يصبح السلاح وظيفة تخضع لقرارها. وإذا احتفظ “الحزب” بحقّ تعريف الخطر والمصلحة والدفاع، فإنّ الدولة لا تكون المرجعيّة النهائيّة بعد. وهنا يتحوّل الخلاف من نقاش أمنيّ إلى صراع على تعريف الشرعيّة الوطنيّة.
اللّحظة اللّبنانيّة تغيّرت
ما يجعل هذه المسألة أكثر إلحاحاً اليوم أنّ المعادلة التي حكمت علاقة “الحزب” بالدولة طوال سنوات لم تعد تعمل في البيئة نفسها. فقد تبدّلت موازين القوّة منذ عمليّة “طوفان الأقصى” سنة 2023 وما تلاها، وانتقل النقاش الداخليّ بصورة أوضح إلى حصريّة السلاح والقرار السياديّ، فيما دخلت الدولة نفسها مرحلة إعادة تثبيت موقعها الدستوريّ والمؤسّساتيّ.
هذا لا يعني أنّ “الحزب” خرج من النظام أو أنّ نفوذه انتهى، فلا يزال جزءاً أساسيّاً من الحياة السياسيّة والاجتماعيّة اللبنانيّة. لكنّ موقعه أصبح موضع إعادة تفاوض ليُطرح السؤال: كيف يحافظ على المعادلة السابقة؟ كيف يعيد تعريف دوره إذا أصبحت الدولة تطالب بأن تكون المرجعيّة النهائيّة في قضايا السيادة والأمن؟
المهمّ في كلام رعد ليس مضمونه المباشر فقط، بل اللغة التي يستخدمها. فكلّما انتقلت لغة “الحزب” من المقاومة وحدها إلى الدستور و”الطائف” والدولة والمؤسّسات، ارتفع مستوى الاختبار الذي تفرضه هذه اللغة على “الحزب” نفسه. استخدام لغة الدولة يستدعي منطق الدولة. والاحتكام إلى “الطائف” يستدعي “الطائف” كلّه.
الحديث عن الدستور يضع صاحبه أمام سؤال لا يمكن تفاديه: هل الدستور مرجعيّة سياسيّة عندما يتعلّق الأمر بالرئاسة وتوزيع الصلاحيّات فقط، أم مرجعيّة أيضاً عندما يتعلّق الأمر بمصدر القرار السياديّ؟ هذه ليست محاولة لإدانة “الحزب” من خلال كلامه، بل لأخذ كلامه على محمل الجدّ. وهذا أكثر إحراجاً سياسيّاً له من مهاجمته.
“الحزب” نشأ وتوسّع في بيئة كان الأمن فيها وظيفة تتهم الدولة بأنها لا تستطيع أداءها بصورة كاملة
الدّولة لا تكفيها استعادة السّلطة
في المقابل، لا تستطيع الدولة أن تنجح بمجرّد المطالبة بانتهاء الوظيفة الاجتماعيّة والسياسيّة لـ”الحزب”. فالدولة التي تريد استعادة السيادة تحتاج إلى أن تقدّم بديلاً حقيقيّاً في الأمن والخدمات والإنماء والتمثيل، وإلّا فإنّها تطلب من الجماعة التخلّي عن بنية وفّرت لها، طوال عقود، ما لم تستطع الدولة توفيره بصورة مستقرّة.
هنا تكمن المفارقة: الدولة لا تستعيد الجماعة بمجرّد استعادة السلاح، بل عليها أن تستعيد الوظائف التي جعلت الجماعة قادرة على ملء فراغها. لذلك فإنّ استعادة الدولة ليست عمليّة أمنيّة فقط. إنّها عمليّة اجتماعيّة وسياسيّة أيضاً.
شرعيّة الجماعة لا تختفي. لكنّها، داخل الدولة، تصبح شرعيّة سياسيّة لا سياديّة. وهنا يبدأ التحوّل الحقيقيّ. السؤال ليس ماذا يفعل الرئيس عون، لذلك فإنّ أعمق ما يمكن استخلاصه من كلام رعد ليس حكماً على أداء جوزف عون، ولا موقفاً مؤيّداً للرئاسة أو معارضاً لها. الأهمّ أنّه يضع، من حيث يدري أو لا يدري، “الحزب” أمام السؤال الذي طالما طُرح على الدولة: من هو صاحب الكلمة الأخيرة في القضايا التي تعني اللبنانيّين جميعاً؟
