حمل خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في ذكرى استشهاد السيد حسن نصر الله رسائل سياسية عدة، في مقدمتها الموقف من الحوار مع رئاسة الجمهورية، والتمسك بخيار المقاومة، إضافة إلى ملف التعويضات والإيواء للمتضررين من الحرب، وبينما رأى البعض أن الخطاب قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التواصل السياسي، بدا من الواضح، وفق قراءات سياسية، أن المسافة بين رئاسة الجمهورية وحزب الله لا تزال قائمة، وأن الخلاف لم يصل إلى مساحة مشتركة تسمح باستئناف الحوار.
وفي هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن خطاب الشيخ نعيم قاسم لم يحمل، في جوهره، مفاجآت كبيرة، معتبراً أن أبرز ما ركّز عليه تمحور حول ثلاثة عناوين أساسية: رفض الحوار مع رئاسة الجمهورية في الوقت الحاضر، ما دامت الرئاسة متمسكة بقرارات يعتبرها الحزب مرتبطة بحصر قرار الحرب والسلم وسلاح المقاومة بيد الدولة، والتأكيد على التمسك بالمقاومة، إضافة إلى إثارته للمرة الأولى بشكل أكثر وضوحاً ملف التعويضات والإيواء.
واعتبر بيرم أن الموقف من الحوار يأتي في سياق تطور العلاقة بين الطرفين خلال الفترة الماضية، بعدما كانت هناك محاولات رئاسية لإبقاء باب الحوار مفتوحاً، فيما كان حزب الله يتعامل مع هذه الدعوات بحذر، وقال إن المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه المحاولات لم تؤدِّ إلى نتيجة، وأن “الطرفين صعّدا مواقفهما”، بحيث لم تعد هناك في المرحلة الراهنة مساحة مشتركة كافية يمكن البناء عليها لاستئناف الحوار.
وأضاف أن المدى المنظور لا يبدو مرشحاً لعودة الحوار بين رئاسة الجمهورية وحزب الله، مشيراً إلى أن ما تردد خلال الفترة الماضية عن اتصالات أو وساطات ومحاولات من جهات إقليمية ودولية للدخول على خط العلاقة لم يؤدِّ إلى تغيير ملموس في المواقف.
ورأى بيرم أن الخطاب الرئاسي نفسه شهد، خلال مرحلة معينة، محاولة لتخفيف حدة المواجهة مع حزب الله، سواء من خلال المواقف السياسية أو بعض الإجراءات الميدانية، إلا أن التطورات اللاحقة أعادت رفع منسوب التوتر، معتبراً أن الطرفين باتا أمام مسار تصاعدي مستمر.
وقال إن بداية هذا المسار تعود، في قراءته، إلى القرارات التي اتخذت في الثاني من آذار، والتي شكلت نقطة مفصلية في العلاقة بين الدولة وحزب الله، قبل أن يتطور الخلاف لاحقاً ويبلغ مستويات أكثر حدة خلال عام 2025، وأضاف أن ما يجري اليوم هو امتداد لذلك المسار، وليس حدثاً منفصلاً عن السياق السياسي السابق.
وتوقف بيرم عند مسألة الحضور الرسمي في ذكرى السيد حسن نصر الله، وما أثير حول طلب عدم مشاركة الأجهزة الأمنية، معتبراً أن هذه الخطوة، في حال وضعها ضمن سياق التطورات السابقة، تعكس استمرار التوتر بين الطرفين، ولا توحي بوجود مسار فعلي نحو التهدئة أو استئناف الحوار.
هل يسعى حزب الله إلى إسقاط الحكومة؟
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين حزب الله والحكومة برئاسة نواف سلام، استبعد بيرم أن يكون الحزب في الوقت الحاضر بصدد الدفع باتجاه إسقاط الحكومة، معتبراً أن المشكلة الحكومية أوسع من العلاقة مع حزب الله، وترتبط بتراكم أزمات ومطالب قطاعات مختلفة، من موظفي القطاع العام والمتقاعدين إلى أساتذة الجامعة اللبنانية وسائر الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
وقال إن الحكومة تواجه منذ فترة صعوبات في إنتاج الحلول واتخاذ القرارات، وإنها تبدو في وضع “العاجزة”، إلا أن هذا لا يعني، بحسب قراءته، أن حزب الله قرر إسقاطها أو تولّي مهمة إسقاطها.
وأشار إلى أن الحزب، وفق تقديره، قد يعمل على إظهار الحكومة بوصفها عاجزة أو غير قادرة على معالجة الملفات، وربما يضاعف الضغوط السياسية عليها، لكنه لا يبدو راغباً في الوقت الحالي في تحمّل مسؤولية إسقاطها بشكل مباشر.
ولفت إلى أن الأمين العام لحزب الله كان واضحاً في هذا الجانب عندما أكد أن الحزب لن يكون “حامل لواء إسقاط الحكومة”، معتبراً أن وراء ذلك مجموعة من الأسباب، أبرزها أن إسقاط الحكومة في الظروف الراهنة قد يؤدي إلى فراغ سياسي، في وقت لا يبدو فيه الحزب راغباً في الدخول في هذا المسار.
وأضاف بيرم أن وجود الحكومة، رغم ضعفها وتعثرها، يشكل في المرحلة الحالية نوعاً من الغطاء السياسي للبلد، ولا سيما في ظل الظروف الأمنية والسياسية والاقتصادية الدقيقة التي يمر بها لبنان.
واعتبر أن الحكومة، رغم عجزها عن معالجة عدد كبير من الملفات، تؤدي دوراً في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الخارج، ولا سيما مع الدول الخليجية، وتوفر، من وجهة نظره، نوعاً من الحماية السياسية للبنان في هذه المرحلة.
ورأى أن رئيس الحكومة نواف سلام يؤدي دوراً يحظى بدعم خارجي، وأن هذا العامل يشكل أحد أسباب استمرار الحكومة، رغم الانتقادات التي تواجهها داخلياً، معتبراً أن هناك مصلحة لدى عدد من القوى الداخلية والخارجية في عدم الدخول حالياً في فراغ حكومي جديد.
وختم بيرم بالقول إن حزب الله لم يعلن صراحة في أي مرحلة أنه يريد إسقاط الحكومة، بل إن مواقفه الأخيرة تشير إلى أنه يريد ممارسة الضغط عليها وإظهار مكامن ضعفها، من دون الذهاب إلى خطوة إسقاطها، واستدل على ذلك بانسحاب الحزب من جلسة المساءلة، معتبراً أن هذه الخطوة تعبّر عن تصعيد في مواجهة الحكومة، لكنها لا تعني بالضرورة اتخاذ قرار سياسي بإسقاطها.

