بدت المشاهد أقرب إلى عملية أمنية خاطفة: سيارتان من نوع كيا سبورتاج تطوقان جيب مرسيدس ML على طريق عمشيت، شبان يترجلون بسرعة، ينزلون السائق من مركبته ويضعونه في إحدى السيارتين، قبل أن ينطلق أحدهم بالمرسيدس. لكن بعد دقائق، اكتشف المنفذون أنهم أوقفوا الرجل الخطأ، لتتحول العملية إلى قضية قضائية متشعبة قادت التحقيقات إلى عالم تهريب السوريين ونقلهم بين المناطق.

وبحسب محاضر التحقيق، بدأت القصة بخلاف بين هادي ح. وشخص يُدعى أمين الزاي، الملقب بـ”أبو يارا”، يعمل وفق إفادة هادي في مجال تهريب السوريين من العبودية إلى بيروت. وقال هادي إنه كان يعمل معه سابقاً، قبل أن يقع خلاف بينهما ويتلقى تهديدات بإطلاق النار عليه وإحراق سيارته، ما دفعه إلى مغادرة المنطقة والتفكير في الانتقام.

وفي 28 آب 2026، وردت إلى هادي معلومة عن سيارة فضية يُعتقد أنها تعمل لحساب “أبو يارا” وتتجه من ميفوق نحو عمشيت. عندها اتصل بربيع س. وخالد ه. وطلب منهما الحضور، فيما انضم لاحقاً أحمد إ. وهاني ب. إلى المجموعة، لتبدأ التحضيرات لاعتراض السيارة على طريق حبالين.

وكان أفراد المجموعة يستقلون سيارتي كيا سبورتاج فضيتين، قال هادي إنه استأجرهما من أحد الأشخاص مقابل 1600 دولار شهرياً لكل واحدة. وما إن ظهرت المرسيدس حتى أُغلق الطريق أمامها، وأُنزل سائقها وائل ع. ووُضع داخل إحدى السيارتين، فيما تولى هادي قيادة المرسيدس وغادر بها.

وكشف الفيديو الذي عاينه المحققون تفاصيل الاعتراض، إذ ظهرت المرسيدس وهي تتوقف قبل وصول الكيا وترجل عدد من الشبان منها. كما أظهر التسجيل اقتياد السائق وترك أحد الأشخاص على الطريق قبل العودة لاصطحابه، وهي مشاهد دعمت واقعة الاعتراض رغم تضارب الروايات بشأن هدفها والأدوار التي أداها كل مشارك.

لكن الخطة انهارت سريعاً عندما تبيّن أن وائل ع. ليس الشخص الذي تبحث عنه المجموعة، ولا تربطه علاقة بـ”أبو يارا”. وبحسب الإفادات، قرر هادي إنزاله على الطريق، ثم سلّم المرسيدس إلى وائل ج. لإعادتها إلى صاحبها، قبل أن تتدخل دورية من مخابرات الجيش وتوقف الموجودين.

وأفاد وائل ع. بأنه كان ينقل 4 عمال سوريين لقاء بدل مادي، نافياً أن يكون ضالعاً في تهريب الأشخاص. وقال إنه اعتقد في اللحظات الأولى أن معترضي طريقه عناصر أمنيون، قبل أن يكتشف العكس، مؤكداً أنه لم يتعرض للضرب أو التهديد ولم يشاهد أي سلاح بحوزتهم. كما أعلن عدم رغبته في الادعاء عليهم، معتبراً أن ما حصل جاء نتيجة خطأ في تحديد هويته.

أما هادي، فأقر بأنه كان يعمل سابقاً في تهريب السوريين، وقال إنه توقف عن ذلك قبل نحو 10 أيام من توقيفه، لكنه نفى أن تكون نيته خطف وائل ع. وأكد أن الهدف كان اعتراض شخص يعمل مع “أبو يارا” لإجباره على التواصل معه وحل الخلاف القائم بينهما.

وتقاطعت إفادات ربيع س. وخالد ه. وهاني ب. عند القول إنهم حضروا للمساعدة في حل المشكلة، لا لتنفيذ عملية خطف. وأقر بعضهم بالعمل سابقاً في مجال التهريب أو بالتوقيف في ملفات مماثلة، إلا أنهم نفوا مشاركتهم في أي نشاط من هذا النوع وقت الحادثة. كما تبادلوا المسؤولية عن الاتصالات التي سبقت وصولهم إلى عمشيت، ما دفع المحققين إلى التدقيق في تسلسل المكالمات والأدوار.

وبرزت إفادة أحمد إ. الذي قال إنه لم يكن يعلم بخطة الاعتراض، وإنه بقي داخل إحدى السيارات قبل أن يصور المركبات والأشخاص، ويطفئ محرك إحدى سيارتي الكيا ويحتفظ بمفتاحها لمنع مغادرة الموجودين. وأضاف أنه اتصل بمخابرات الجيش وطلب حضورها إلى المكان، لتصل الدورية وتوقف المجموعة.

وضبط المحققون السيارتين المستخدمتين في العملية، إضافة إلى المرسيدس وهاتف سامسونغ محطم ودفتر سيارة الكيا. كما توسعت التحقيقات في خلفيات الموقوفين وعلاقاتهم بعمليات نقل السوريين، بعدما أظهرت الإفادات أن عدداً منهم عمل سابقاً في هذا المجال أو أوقف في قضايا مرتبطة به.

وتابع المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي طارق بو نصار التحقيق بأدق تفاصيله، واطلع على إفادات الموقوفين والفيديو والمضبوطات والسيارات المحجوزة. وبتاريخ 14 أيلول 2026، أشار إلى ترك وائل ع. لقاء سند إقامة، وإبقاء السيارات محجوزة عدلياً، وضبط الهاتف ودفتر السيارة، وتوقيف هادي ح. وربيع س. وخالد ه. وأحمد إ. وهاني ب. ووائل ج.، وختم المحضر وإيداعه مع الموقوفين.

وبعد اكتمال التحقيقات الأولية، ادعى المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي بلال حلاوي على الموقوفين، وشمل الملف أيضاً مارون ع.، ثم أحاله إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر، لاستكمال التحقيقات وإصدار المذكرات اللازمة وكشف ما إذا كانت الحادثة مجرد عملية انتقام أخطأت هدفها، أم أنها تشكل مدخلاً إلى شبكة أوسع تعمل في تهريب السوريين ونقلهم بين المناطق.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version