كتب خضر فرحات في موقع Jnews Lebanon
تدخل الدبلوماسية اللبنانية أسبوعاً بالغ الدقة والخطورة، مع توجه رئيس الحكومة نواف سلام يرافقه وزير الخارجية يوسف رجي إلى نيويورك وواشنطن، لحمل حزمة من الملفات المصيرية إلى كبرى العواصم الدولية. يأتي هذا الحراك في توقيت يشهد فيه الداخل اللبناني جموداً ميدانياً وتأزماً معيشياً، تزامناً مع تراجع الآمال المعقودة على “اتفاق الإطار” وسط محاولات إسرائيلية لفرض واقع ميداني جديد تحت مسميات “الخط الأصفر” ومحاولة تقويض فرص الحلول المستدامة.
كواليس باريس وواشنطن: ما الذي يحمله لبنان في حقيبته؟
تشير معطيات دبلوماسية خاصة حصل عليها JNews Lebanon إلى أن الاجتماعات التحضيرية الأخيرة التي شهدتها العواصم الأوروبية — وتحديداً باريس — لم تكن مجرد محطات بروتوكولية لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بل شكلت “منصة اختبار صارمة” لمدى قدرة الدولة اللبنانية على ترجمة التزاماتها الدستورية والميدانية إلى واقع عملي.
وفي هذا السياق، تكشف الكواليس أن الاتصالات التي قادها الوفد اللبناني تركزت على ثلاثة ثوابت رئيسية:
- رفض التفريط بالسيادة: التأكيد المطلق على أن أي ترتيبات أمنية مستجدة في الجنوب يجب أن تنطلق حصراً من تطبيق القرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701، ورفض أي صيغ تفضي إلى تثبيت احتلال مقنع أو مناطق عازلة.
- الرهان على المؤسسة العسكرية: دفع خطط تعزيز انتشار الجيش اللبناني في القطاعين الأوسط والغربي لتثبيت الاستقرار ومواكبة عودة الأهالي، كدليل عملي على بسط سلطة الدولة.
- البدائل الدولية: بحث ملف تشكيل قوة دولية تحت مظلة الأمم المتحدة تكون رديفاً أو بديلاً لمهام “اليونيفيل”، بما يضمن شبكة أمان دبلوماسية للبنان في وجه الاعتداءات المستمرة.
مأزق “اتفاق الإطار”: هل انهار أم أُعيد تدويره؟
في خضم الضغوط الميدانية المتصاعدة، يواجه لبنان معضلة حقيقية تتمثل في تراجع زخم “اتفاق الإطار” بعد توسيع إسرائيل لسيطرتها الميدانية وعرقلة مسار الانسحابات. وترى أوساط سياسية مراقبة عبر JNews Lebanon أن الرهان على إطالة الوقت قد يخدم الأجندة الإسرائيلية الساعية لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة قبل أي استحقاقات إقليمية أو دولية مرتقبة.
وعلى الرغم من إعلان الحكومة مراراً أن “التفاوض ليس تنازلاً بل وسيلة لاستعادة الحقوق بالطرق الدبلوماسية”، إلا أن الشارع اللبناني بات يعيش هاجس الغموض، متخوفاً من انعكاس هذا الجمود السياسي على الاستقرار المالي والاجتماعي المتردي أساساً.
الداخل على صفيح ساخن: إضراب محتمل وغلاء يضغط على العنق
على الصعيد المحلي والمعيشي، لا يبدو المشهد أقل تعقيداً. فبينما تحاول الحكومة تسويق برامج التعافي الاقتصادي وإصلاحات صندوق النقد الدولي، يعاني المواطن اللبناني من كلفة معيشية باهظة نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات، الطاقة، والمواد الأساسية مع إطلالة فصل الخريف.
وتؤكد المعلومات الخاصة أن الاتجاه يتصاعد نحو خطوات تصعيدية وتحركات نقابية شاملة خلال الأسبوع المقبل، احتجاجاً على عجز السياسات الحكومية عن كبح جماح الغلاء وحماية القدرة الشرائية، مما يضع الحكومة أمام اختبار مزدوج: إدارة المعركة الدبلوماسية الخارجية، واحتواء الانفجار الاجتماعي الداخلي.
اذا، إن جولة تشرين القادمة والمحطات الدبلوماسية الحالية في واشنطن ونيويورك لن تكون نزهة سياسية؛ بل هي “لحظة الحقيقة” التي ستحدد ما إذا كان لبنان قادراً على تحويل الدعم الدولي الشكلي إلى ضمانات حقيقية توقف الحرب وتدفع باتجاه الانسحاب الإسرائيلي، أم أنه سيبقى أسيراً لحلقة مفرغة من الانتظار الإقليمي والنزيف الداخلي. وحده القرار السيادي الموحد والالتفاف المؤسساتي الكفيل برسم مسار الخروج من هذا النفق المعقد.

