كتب طوني عيسى في” الجمهورية”: تستند المقاربة الأميركية تجاه لبنان إلى خيار «دعم الدولة بشرط التجريد من القوة المسلحة غير الشرعية ». فواشنطن لا تريد انهيار الدولة

اللبنانية، لأنّ الفوضى الشاملة تعني غياب القدرة على الإمساك بالأمن. لكنها تدفع لبنان نحو مسار محدد هو إنهاء «ثنائية السلاح والسيادة ». فهي تضغط لترجمة التعهدات الرسمية وبنود «صيغة الإطار » إلى خطوات ميدانية حاسمة، تُفضي إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وتفكيك أي بنية عسكرية خارج إطار الدولة، وتحديداً سلاح «حزب الله ». وتتطلع واشنطن، ومعها عواصم غربية وعربية، كما ظهر في مؤشرات مؤتمر باريس ومبادرات «مسار العقبة »، إلى جعل الجيش اللبناني القوة الوحيدة المنتشرة جنوب الليطاني وعلى الحدود،شرط أن ينفّذ هذا الانتشار مهام تجريد المناطق الحدودية من المظاهر المسلحة غير الشرعية. وفي الخواتم، تريد واشنطن من لبنان الاستمرار في مسار المفاوضات السياسية والأمنية، ولو كانت تحت النار. فالتفاوض هو الأداة الوحيدة لشرعنة ترتيبات أمنية جديدة تنهي حالة العداء مع إسرائيل، وفق الرؤية الأميركية.

في الموازاة، تتعامل واشنطن مع إسرائيل بوصفها «الذراع الميدانية » الموثوق فيها لتحقيق الأهداف الاستراتيجية المشتركة، لكن مع وضع «خطوط رسمية وأخرى خلفية » تحكم هذا السلوك. فالإدارة الأميركية تمنح إسرائيل غطاءً عسكرياً ولوجستياً واسعاً، يترجمه تدفق صفقة التسليح الضخمة والقنابل الخارقة للتحصينات، لاستكمال تفكيك البنية التحتية التي ما زال «حزب الله » يحتفظ بها، وتدمير أنفاقه. لكنها في المقابل تريد تفادي سيناريو الاحتلال الدائم والمفتوح الذي يُعيد التورط الإسرائيلي إلى مستنقع التسعينات. لذا يضغط الأميركيون على إسرائيل للقبول ب «انسحاب متدرج ومقترن بالتحقق »، أي الانسحاب من المناطق النموذجية كلما تسلّمها الجيش اللبناني وأُخليت من السلاح. وترغب واشنطن في إبقاء ملف الجنوب في حالة «استقرار منضبط » أو تسديد ضربات موجّهة، وتجنّب فتح جبهات واسعة قد تتقاطع مع الاستحقاقات

الانتخابية الإسرائيلية أو الحسابات الإقليمية المعقّدة.
ترسم واشنطن جدولاً مزدوجاً من الالتزامات والضوابط للطرفين، يقوم على المقايضة السياسية-العسكرية. فبالنسبة إلى لبنان، تفرض واشنطن الالتزام التام بالصيغة الإطارية، ونشر الجيش جنوباً، ونزع سلاح «الحزب »، والدخول في ترتيبات أمنية طويلة الأمد. وفي المقابل، تضع خطاً أحمر أمام أي محاولة لرفض التفاوض، أو السماح بعودة المظاهر المسلحة جنوب الليطاني، أو الاصطدام المباشر مع الخيارات الدولية. أمّا بالنسبة إلى إسرائيل، فتربط واشنطن انسحابها بالتقدّم الميداني للجيش اللبناني، وتشترط استخدام القوة بتكتيكات موجّهة تستهدف البنيةالعسكرية فقط، وتجنّب هيكليات الدولة اللبنانية. وتتمثل الخطوط الحمر الأميركية في منع الإطاحة بالحكومة اللبنانية الحالية، أو إضعاف الجيش، أو جرّ المنطقة إلى مواجهة شاملة تُفشل المساعي الهادفة إلى ترتيب الإقليم.

الاستراتيجية الأميركية لا تستهدف «سلاماً متكافئاً » بقدر ما تسعى إلى «إعادة ترتيب أمني جيو-سياسي » يضمن أمن شمال إسرائيل، عبر تجريد «حزب الله » من قوته، ويمنح الدولة اللبنانية سيادة مفترضة، بشروط مكبّلة بالترتيبات الأمنية. وبينما تُبقي واشنطن حال التفاوض الديبلوماسي قائماً عبر اجتماعات السفراء وقنوات التنسيق الأخرى، فإنّها تعطي إسرائيل المدى الزمني المناسب لفرض الحقائق على الأرض. وهذا ما يضع لبنان أمام معادلة قاسية: إما القبول بتنازلات أمنية وسياسية متدرجة، وإما البقاء تحت مطرقة الخيار العسكري الإسرائيلي بلا أفق زمني.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version