ما جرى في مجلس النواب خلال جلستي مساءلة الحكومة والثقة قبل يومين، لم يكن مجرد سجال نيابي عابر. الجلستان كشفتا حجم التباينات السياسية في البلاد، لكنهما أظهرتا أيضاً مشهداً أكثر أهمية، أذ لا توجد طائفة تقف بكتلة واحدة مع الحكومة أو ضدها، فيما برز تباين واضح بين “حركة أمل” و”حزب الله” في مقاربة الثقة بالحكومة.

بالنسبة إلى “أمل”، كان الذهاب نحو إسقاط الحكومة أو سحب الثقة منها خياراً صعباً سياسياً رغم كل الملاحظات والافتراقات. الحركة التي تؤكد تمسكها بالدولة ومؤسساتها، كانت ستجد نفسها أمام تناقض كبير لو ساهمت في إسقاط الحكومة في واحدة من أكثر المراحل حساسية في لبنان.

من هنا، يمكن قراءة تجديد الثقة بالحكومة باعتباره رسالة في اتجاهين:

الرسالة الأولى داخلية، وأساسها أن “أمل” تريد إظهار نفسها قوة متمسكة باستمرار المؤسسات، خصوصاً أن سقوط الحكومة في هذه المرحلة قد يفتح الباب أمام أزمة سياسية ودستورية إضافية، فيما البلاد تواجه حرباً إسرائيلية مستمرة في الجنوب وانقساماً سياسياً حاداً في الداخل.

أما الرسالة الثانية، فهي إلى الخارج، إذ أن الحركة تسعى إلى تقديم نفسها أمام الدول المعنية بالملف اللبناني باعتبارها شريكاً في خيار الدولة ومؤسساتها، بالتوازي مع اتصالاتها السياسية الخارجية، ومن بينها الانفتاح على السعودية، فضلاً عن علاقتها مع أطراف دولية أخرى.

لكن الصورة تصبح أكثر إثارة عند الانتقال إلى موقف “حزب الله”. الأخير خرج من الجلسة النيابية لحظة التصويت على الثقة ، بينما حليفته “أمل” منحت ثقتها للحكومة. وهنا، ظهر التباين بين الطرفين إلى العلن عند ملف سياسي أساسي، بعدما اعتاد الطرفان طوال سنوات طويلة إظهار قدر كبير من التنسيق في المحطات الكبرى.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إلى أي مدى سيبقى هذا التباين مضبوطاً؟

ما يظهر هو أن موقف الحزب يضعه أيضاً أمام معادلة سياسية تحتاج إلى تفسير أمام جمهوره وخصومه على السواء: وزراؤه ما زالوا داخل الحكومة، لكنه حجب الثقة عنها. هذا الأمر يفتح الباب أمام سؤال سياسي مباشر: كيف يمكن الجمع بين المشاركة في الحكومة وبين إعلان عدم الثقة بها؟

الأهم أن الجلستين أظهرتا أن الانقسام لم يعد محصوراً بين “حزب الله” وخصومه التقليديين، فالسجالات الحادة التي شهدها البرلمان عكست اتساع دائرة الاشتباك السياسي، بالتزامن مع ظهور تباينات داخل البيئة السياسية الشيعية نفسها.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن التحالف بين “أمل” و”حزب الله” وصل إلى نقطة الانفصال. ما ظهر حتى الآن هو اختلاف في المقاربة عند محطة أساسية، وستحدد الخطوات المقبلة ما إذا كان مجرد توزيع للأدوار أو بداية مسافة سياسية أكبر بين الطرفين.

وهنا يبدأ السؤال الأهم بعد انتهاء الجلستين: ماذا سيفعل “حزب الله”؟ هل يرفع سقف المواجهة السياسية في الداخل بعدما “حجب الثقة” عن الحكومة؟ أم يحافظ على مشاركته فيها ويتعامل مع موقفه باعتباره رسالة اعتراض سياسية؟

في المقابل، هل تستثمر “أمل” موقفها لتكريس صورة مختلفة تقوم على حماية المؤسسات والانفتاح أكثر على الخارج؟

الإجابات قد تظهر سريعاً لكن المؤكد أن جلسة الثقة لم تنتهِ بانتهاء التصويت. فعلياً، فإن ما جرى تحت قبة البرلمان فتح مرحلة سياسية جديدة، سيكون أحد أبرز عناوينها اختبار العلاقة بين “أمل” و”حزب الله”، في وقت يخوض فيه لبنان أصعب اختباراته تحت وطأة الحرب الإسرائيلية المستمرة في الجنوب والانقسام المتصاعد في الداخل.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version