على وقع التطورات السياسية والأمنية المتسارعة في لبنان، تتداخل الملفات الحكومية مع الضغوط الإقليمية والدولية، فيما يبقى مستقبل العلاقة بين الدولة وحزب الله أحد أبرز العناوين التي تحكم المشهد الداخلي. ومع تصاعد النقاش حول أداء الحكومة، ودورها في المرحلة المقبلة، بالتوازي مع استمرار التوتر على الحدود الجنوبية والضغوط الإسرائيلية والأميركية، تبرز تساؤلات حول اتجاهات المرحلة المقبلة، وفي هذا السياق، قدّم الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم، في حديث لـ”ليبانون ديبايت”، قراءة للمشهد السياسي ومساراته المحتملة.

واعتبر الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم أن الحديث عن سعي حزب الله إلى إسقاط الحكومة في المرحلة الراهنة غير دقيق، مشيراً إلى أن الحزب، من وجهة نظره، لا يزال يرى في الحكومة القائمة مظلة سياسية يحتاج إليها في هذه المرحلة، رغم الخلافات والتباينات القائمة معها.

وأوضح بيرم، في حديث لـ”ليبانون ديبايت”، أن حزب الله ممثل في الحكومة، وبالنسبة إليه الحكومة الحالية هي بمثابة “ستر”، معتبراً أن الحزب يحتاج إلى هذا الستر، لأن هذه الحكومة تعرف أقصى ما يمكنها فعله، وبالتالي فإن الذهاب إلى حكومة جديدة يعني البدء من جديد.

وأضاف أن العلاقة بين الحزب ورئيس الحكومة نواف سلام لم تعد تشبه المرحلة الأولى من عمر الحكومة ، لافتاً إلى أن الصراع الذي كان قائماً في البداية أصبح أقرب إلى علاقة طبيعية، والحكومة قالت وفعلت ما تستطيع، وبالتالي لم يعد الخوف منها كما كان في السابق، وبرأيه، فإن حزب الله يحاول من وقت إلى آخر ضبط حركة الحكومة وضبط اندفاعة نواف سلام، لكن حتى نواف سلام نفسه تراجع، إذا صح التعبير، عن بعض ما كان قد بدأه في البداية، إذ كان أكثر حماسة وشدة في مواجهة الحزب.

وأشار بيرم إلى أن دور رئيس الحكومة أصبح ثانوياً في هذه المسألة، لأن مهمة مواجهة الحزب أو التصدي له باتت، في نظر بعض القوى، أقرب إلى مهمة رئيس الجمهورية، مضيفاً أن المطلوب من سلام أن يتراجع إلى الصف الثاني وألا يكون في الواجهة.

تهميش دور وزير الخارجية

وفي ما يتعلق بتراجع حضور وزير الخارجية يوسف رجي عن المشهد المرتبط بالمفاوضات، رأى بيرم أن المسألة ليست منفصلة عن الصراع السياسي الداخلي، معتبراً أن هناك رغبة، بحسب قراءته، في ألا يتولى وزير الخارجية يوسف رجي تحديداً مهمة مواجهة حزب الله.

وقال إن المطلوب أن يكون رئيس الجمهورية هو من يتولى هذا الدور، وفق رغبة عربية سعودية تحديداً، مشيراً إلى أن وزير الخارجية يوسف رجي ذهب بعيداً في المواجهة أكثر مما كان مطلوباً منه، الأمر الذي وضعه، بحسب بيرم، أمام خيارين: “إما أن يتماشى مع توجهات رئيس الجمهورية، أو أن يجري تهميش دوره”.

وذكر بما طرح سابقاً حول تعديل الحكومة ، بما في ذلك احتمال إجراء تعديلات بهدف تخفيف حدة المواجهة الداخلية وإرضاء “حزب الله”، مشيراً إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام بحثا هذه المسألة، قبل أن يستقر الرأي على إبقاء الوضع الحكومي على ما هو عليه.

وأضاف أن “هناك صعوبة كبيرة أمام جميع الأطراف في تغيير الحكومة”، معتبراً أن “مصلحة مختلف القوى، بما فيها حزب الله ونبيه بري، تقضي في الوقت الراهن بعدم استقالتها، لأنه لا توجد ضمانات واضحة لإمكان تشكيل حكومة بديلة”.

تعايش قسري

وانتقل بيرم إلى قراءة المشهد اللبناني الأوسع، معتبراً أن البلاد قد تكون أمام وضع يشبه، من وجهة نظره، “المعادلة القائمة في الضفة الغربية”، حيث توجد سلطة فلسطينية تتعامل مع إسرائيل سياسياً، في مقابل قوى فلسطينية أخرى تواجه إسرائيل ميدانياً، مثل حماس.

وقال إن “هناك تعايشاً قسرياً بين الطرفين، بحيث يؤدي كل طرف دوره ضمن حدود معينة”، معتبراً أن لبنان قد يتجه إلى معادلة مشابهة: هناك حزب الله من جهة، وسلطة لبنانية تتجه إلى التفاوض والانفتاح على إنهاء حالة العداء مع إسرائيل من جهة أخرى،وأضاف: كل طرف يقوم بدوره ويلعب لعبته تحت سقف تعايش إجباري وقسري، وليس طوعياً.

وأشار بيرم إلى أن رئيس الجمهورية يتحدث، وفق قراءته، عن إنهاء حالة العداء تمهيداً لمسار تفاوضي مع إسرائيل، في مقابل استمرار حزب الله في تبني مقاربة مختلفة تجاه إسرائيل وسلاحه ودوره.

الرهان على إضعاف بيئة الحزب

وفي ما يتعلق بالمرحلة المقبلة، رأى بيرم أن هناك رهاناً لدى جزء من القوى السياسية على إضعاف حزب الله من دون الدخول في مواجهة مباشرة معه.

وأوضح أن هذا الرهان يقوم، بحسب قراءته، على عاملين أساسيين: الضغط الإسرائيلي والأميركي، من جهة، والضغط على البيئة التي تشكل الحاضنة الأساسية للحزب، من جهة أخرى.

وقال إن هناك اعتقاداً لدى بعض القوى بأن الضغط المتواصل قد يؤدي مع مرور الوقت إلى إحداث تغيير في موقف البيئة المؤيدة للحزب، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “هذا الأمر يحتاج إلى وقت”.

منع العودة وتدمير القرى

وعن تأثير استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض المناطق الجنوبية وتدمير القرى ومنع السكان من العودة إلى مناطقهم، اعتبر بيرم أن هذه التطورات تشكل، في قراءته، جزءاً من محاولة إضعاف البيئة الحاضنة لحزب الله،وقال :”إن “تدمير القرى ومنع العودة يساهمان في الضغط على سكان الجنوب”، مشيراً إلى أن تقديرات أعداد النازحين تختلف، لكنه تحدث عن نحو 400 ألف شخص وفق تقديره.

وأضاف أن ما يجري في بعض القرى الجنوبية، بحسب وصفه، يترافق مع “قضم تدريجي” للمناطق، معتبراً أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى تغيير تدريجي في الواقع الميداني والديموغرافي.

هل نجح الرهان على انهيار الحزب؟

لكن بيرم رأى في المقابل أن المعطيات الميدانية والسياسية لا تشير، بحسب تقديره، إلى انهيار سريع لـ”حزب الله”، وقال إن الحزب “يحاول تثبيت وضعه واستيعاب الضربات” على المستويين العسكري والسياسي، معتبراً أنه “لا يزال قادراً على القيام بدوره والمواجهة”.

وأضاف أن “الإسرائيليين والأميركيين وبعض القوى السياسية ربما راهنوا في البداية على سرعة انهياره، لكن اتضح أن الحزب لا يزال موجوداً وقادراً على المواجهة”، مشيراً إلى أن هذا الاستنتاج يستند، بحسب تعبيره، إلى “المعطى العملاني وليس إلى النظرية”.

التصعيد الإسرائيلي تجاه الجيش والدولة

وتوقف بيرم عند التصريحات الإسرائيلية الأخيرة التي تناولت الجيش اللبناني والسلطة اللبنانية، معتبراً أن تكرار هذه المواقف يشير، في قراءته، إلى أن إسرائيل تضغط على الجيش وعلى السلطة، وقال إن “التصريحات الإسرائيلية المتكررة حول الحاجة إلى مواجهة أو صدام” تعكس، برأيه، وجود ضغط متزايد على المؤسسة العسكرية والدولة اللبنانية.

وختم بيرم بأن المشهد اللبناني يتجه إلى مرحلة دقيقة، تتداخل فيها الضغوط الإسرائيلية والأميركية مع الحسابات الداخلية، فيما تحاول الحكومة الحفاظ على توازن صعب بين مسار الدولة والتفاوض من جهة، ووجود حزب الله وقدرته على التأثير والمواجهة من جهة أخرى.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version