في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة، يدخل مشروع موازنة 2027 دائرة الاختبار، بين الحاجة إلى ضبط المالية العامة ورفض تحميل المواطنين مزيدًا من الأعباء، فيما تتجه الأنظار إلى الخيارات التي ستعتمدها الحكومة لتحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات، وتأمين حاجات القطاع العام، وحماية أصحاب الدخل المحدود.

وفي هذا السياق، رأى النائب وضاح الصادق أن مشروع الموازنة يشكّل اختبارًا أساسيًا للحكومة في ظل الأزمة الاقتصادية والحرب، معتبرًا أن المطلوب إرساء بداية مالية سليمة للسنوات المقبلة، بعيدًا من تحميل المواطنين مزيدًا من الضرائب، وبالتوازي مع مواجهة الفساد والهدر لزيادة إيرادات الدولة.

وقال الصادق، في حديث إلى “RED TV”: “لا شك في أن الوضع صعب جدًا، ولا سيما بالنسبة إلى الحكومة الحالية التي تسلّمت، أولًا، بلدًا مفلسًا، وثانيًا، بلدًا في حالة حرب، وهي ليست مسؤولة عن هذين الواقعين”.

وأشار إلى أن مشروع الموازنة يُعدّ في ظل ضغوط كبيرة، لكنه قد يتضمّن رؤية مالية مختلفة عن الموازنات السابقة، وقال: “بدأنا قراءة المشروع والاطلاع عليه، وقد تكون فيه رؤية مالية مختلفة. ونأمل، بعد عرضه ودراسته داخل الحكومة، أن يقوم على أسس سليمة”.

وتابع: “لا نتوقع موازنة مثالية كما نريدها، لكننا نأمل أن تشكّل، على الأقل، بداية سليمة للتحضير للسنوات المقبلة، في حال حلّ السلام في البلد”.

وردًا على المخاوف من تضمين مشروع الموازنة ضرائب جديدة، أكد الصادق أن “الضرائب أثقلت كاهل المواطنين”، معتبرًا أن المشكلة الأساسية ناجمة عن أكثر من 20 عامًا من الفساد والسرقة والهدر المالي وسوء الإدارة.

وتوقف عند واقع قطاع الكهرباء، قائلًا: “قطاع الكهرباء هو من أكثر القطاعات التي تثقل كاهل المواطنين، وفاتورته اليوم مرتفعة جدًا. نحن أمام خراب تراكم على مدى 20 عامًا من الصفقات والفساد والسرقات”.

وأضاف: “صُرف نحو 27 مليار دولار على قطاع الكهرباء، خارج أموال الجباية، لكن معامل الإنتاج لم تتحسن، ولم نرَ حتى برغيًا جديدًا فيها، فيما لا تزال القدرة القصوى للإنتاج لا تؤمّن أكثر من نحو 10 ساعات من التغذية”.

واعتبر أن تحميل الحكومة الحالية وحدها مسؤولية عدم معالجة ملف الكهرباء خلال عام ونصف العام “أمر غير منطقي”، مضيفًا: “الحكومة تسلّمت تركة ثقيلة، وهذا ليس تبريرًا لها، لكن إعادة الكهرباء على مدار 24 ساعة تحتاج إلى سنتين أو 3 أو 4 سنوات”.

وسأل: “ماذا يمكن أن يحصل خلال هذه الفترة؟ الدولة لا تملك الأموال اللازمة لإنتاج الكهرباء، وفي المقابل لا تستطيع فرض مزيد من الضرائب على المواطنين، لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمّلها”.

وشدّد الصادق على أن “الطريق الأسلم أمام الحكومة اليوم هو الضرب بيد من حديد لتحسين الإيرادات من خلال محاربة الفساد”، لافتًا إلى أن مظاهر الفساد لا تزال موجودة في الجمارك ومؤسسات الدولة والدوائر العقارية.

وختم: “عندما تواجه الحكومة الفساد وتباشر الإصلاح الحقيقي، يمكنها تحسين إيرادات الدولة بنسبة تراوح بين 10 و15%، وعندها لن تكون مضطرة إلى فرض ضرائب جديدة على المواطنين”.

من جهته، رأى النائب مارك ضو أن مشروع موازنة 2027 لا يختلف كثيرًا عن موازنة 2026، باستثناء الزيادة على رواتب موظفي القطاع العام التي أُقرّت بقانون مستقل، مشددًا على ضرورة الحفاظ على موازنة بلا عجز، من دون تحميل أصحاب الدخل المحدود والمؤسسات الملتزمة أعباء ضريبية إضافية.

وقال ضو، في حديث إلى “RED TV”: “مشروع الموازنة لا يختلف كثيرًا عن موازنة 2026، والإضافة الأساسية تتمثل في زيادة رواتب القطاع العام التي أقررناها بقانون مستقل”.

وأضاف: “برأيي، يجب إجراء تقييم شامل لوضع البلد والمالية العامة، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على موازنة بصفر عجز، فهذه من الأساسيات التي يتعيّن علينا العمل عليها”.

وأشار إلى أنه “إذا تبيّن وجود فائض أو إمكان لتحقيق النمو، يمكن عندها تقديم التزامات إضافية لزيادة رواتب موظفي القطاع العام”، موضحًا أن الدولة تواجه أزمة كبيرة في الحفاظ على قدرتها وتمكين موظفيها من القيام بواجباتهم.

وتابع: “هناك أيضًا ارتفاع كبير في كلفة المعيشة، وهذا يتطلب إعادة التفكير في السياسة الضريبية المعتمدة، إذ لا يكفي إعداد موازنة بصفر عجز إذا كان ذلك سيتحقق على حساب الناس، من خلال زيادة إفقار أصحاب الدخل المحدود، وتحميل المؤسسات الملتزمة دفع الضرائب أعباء إضافية”.

وشدّد ضو على ضرورة إجراء نقاش جدي بشأن السياسات الضريبية، قائلًا: “يجب البحث في كيفية زيادة الضرائب على الأرباح، في مقابل تخفيف الضرائب المفروضة على الاستهلاك”.

وبذلك، ربط ضو نجاح الموازنة بالحفاظ على التوازن المالي من جهة، وتوزيع العبء الضريبي بعدالة من جهة أخرى، محذرًا من تحقيق صفر عجز عبر إجراءات تطال الفئات الأكثر تضررًا من الأزمة أو المؤسسات التي تلتزم أصلًا تسديد الضرائب المتوجبة عليها.

وبدورها، أكدت النائبة نجاة عون أن الحكم على مشروع الموازنة لا يزال سابقًا لأوانه، في انتظار وصوله إلى مجلس النواب والاطلاع على تفاصيله، مشددة على أن النقاش النيابي يجب أن ينطلق من التدقيق في وجود قطع الحساب، والأسس والاستراتيجية المعتمدة في إعداد المشروع، وصولًا إلى حماية حقوق المواطنين من أي أعباء إضافية.

وقالت عون، في حديث إلى “RED TV”: “لم يصل إلينا مشروع الموازنة بعد، كي نعرف ما إذا كان يتضمن قطع الحساب أم لا. ونحن نبدأ أولًا من قطع الحساب، ثم نبحث في الاستراتيجية والأسس التي اعتُمدت لبناء موازنة السنة المقبلة”.

وعن الضرائب التي قد يتضمّنها المشروع، أضافت: “نأمل ألّا تُفرض ضرائب جديدة، وعندما تصل الموازنة إلى مجلس النواب، سنجري النقاش الجدي والمناسب بما يحمي حقوق المواطنين”.

ويعكس موقف عون ترقبًا نيابيًا لما ستنتهي إليه مناقشات مجلس الوزراء، قبل الانتقال إلى مرحلة التدقيق في أرقام المشروع وفرضياته المالية والاقتصادية، ومدى استناده إلى قطع حساب واضح يتيح مقارنة النفقات الفعلية بالإيرادات المحققة.

وفي المحصلة، تضع هذه المواقف النيابية الحكومة أمام معادلة دقيقة تقوم على ضبط العجز، وتأمين حاجات القطاع العام، وتحسين الخدمات، من دون اللجوء إلى ضرائب جديدة تزيد الأعباء على المواطنين. كما تعيد النقاش إلى أولوية الإصلاح ومكافحة الهدر والفساد، وتحسين الجباية وإيرادات الدولة، وإعادة توزيع العبء الضريبي بصورة أكثر عدالة بين الأرباح والاستهلاك.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version