لم يعد الخلاف في العراق يدور حول وقف الاستخدام المستقل لسلاح الفصائل الموالية لإيران فحسب، بل انتقل إلى نقطة أكثر حساسية: من يضع يده فعليًا على مخازن الذخيرة، ومن يحتفظ بمفتاح فتحها؟ ففي الوقت الذي تتحرك فيه بغداد لتنظيم السلاح، تضغط طهران باتجاه صيغة تحفظ الترسانة العسكرية لحلفائها، وتقيّد استخدامها بقرار سياسي، من دون تفكيك قدرتهم العسكرية بصورة نهائية.

وبحسب تقرير نشره موقع “ماكو” الإسرائيلي، لم يُحسم حتى الآن الاتفاق المتعلق بتنظيم سلاح الفصائل الموالية لإيران في العراق، والذي تضغط طهران للدفع باتجاهه.

وقال مصدر سياسي عراقي مقرّب من “الإطار التنسيقي” لموقع إماراتي إن المناقشات دخلت مرحلة أكثر حساسية، وباتت تتمحور حول الجهة التي ستحتفظ فعليًا بمخازن السلاح، ومن ستكون لديه القدرة على فتحها.

وأوضح المصدر أن “الخلاف لم يعد حول مبدأ وقف الاستخدام المستقل للسلاح، بل حول السيطرة المادية عليه”، مشيرًا إلى أن بعض الفصائل تخشى أن يؤدي نقل ترسانتها إلى مخازن لا تخضع لسيطرتها إلى تحويل إجراء يفترض أن يكون موقتًا إلى نزع دائم للسلاح في المستقبل.

وبحسب المصدر، هناك خياران مطروحان على الطاولة. الأول يقضي بنقل الأسلحة إلى مخازن هيئة الحشد الشعبي، مع تسجيل أنواعها وأرقامها وكمياتها والجهة التي تعود إليها، فيما يقوم الخيار الثاني على إبقاء الأسلحة داخل مخازن الفصائل نفسها، مقابل التزام بعدم استخدامها إلا بعد الحصول على موافقة رسمية.

وأكد المصدر أن خيار إبقاء السلاح في أيدي الفصائل هو “الأقرب إلى الرؤية الإيرانية”، لأنه يمنع استخدامه من دون قرار سياسي، لكنه في الوقت نفسه لا يؤدي إلى تفكيك القدرة العسكرية التي تمتلكها تلك الفصائل.

وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة تحركات إيرانية شهدتها بغداد خلال الأسابيع الأخيرة، تحاول طهران من خلالها، وفق التقرير، إعادة صياغة مسار نزع السلاح وتحويله إلى عملية “تجميد للسلاح”، تقوم على الحفاظ على الترسانة مع سحب قرار استخدامها من أيدي الفصائل.

وفي هذا السياق، وصل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد في 10 آب، حيث التقى مسؤولين بارزين في “الإطار التنسيقي” وقيادات في الفصائل المسلحة، من بينهم هادي العامري.

وقالت مصادر عراقية إن ملف السلاح كان أحد المواضيع الأساسية التي نوقشت خلال زيارة قاآني.

إلا أن الطرح الإيراني أصبح أكثر وضوحًا خلال زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. ووفق مصدر أمني عراقي سبق أن تحدث إلى “إرم نيوز”، اقترح قاليباف إبقاء أسلحة الفصائل في حوزتها أو وضعها لدى الحشد الشعبي، بدل تسليمها إلى الحكومة العراقية، بما يضمن بقاءها متاحة عند الحاجة.

وتناولت تقارير عراقية إضافية مقترحات لتجميد السلاح الثقيل أو الإبقاء عليه ضمن ألوية الحشد الشعبي المرتبطة بالفصائل، بما يجعل هذه الأسلحة رسميًا جزءًا من مؤسسة حكومية، من دون أن تفقد الفصائل قدرتها على الوصول إليها مستقبلًا.

ولم يقتصر النشاط الإيراني على زيارتي قاآني وقاليباف، إذ زار بغداد في 26 آب محسن قمي، مستشار الشؤون الخارجية للمرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، والتقى قادة الفصائل و”الإطار التنسيقي”، في اجتماع شارك فيه أيضًا رئيس الوزراء علي الزيدي.

وحمل قمي خلال اللقاء رسالة دعت إلى الحفاظ على وحدة ما تسميه طهران “جبهة المقاومة”، وأعرب عن دعم إيران لتنظيم السلاح، رابطًا في الوقت نفسه تسليمه الكامل بانسحاب القوات الأميركية من العراق، وتطبيق الإجراءات نفسها على جميع الجماعات المسلحة في البلاد.

وبحسب المصدر، ساهمت الضغوط الإيرانية التي نتجت عن الزيارات الـ3 في “تمييع” موعد 30 أيلول، الذي كانت الحكومة العراقية قد حددته موعدًا لنزع سلاح الفصائل.

وبعد ذلك، وفق التقرير، أعطت الحكومة إشارات إلى احتمال التراجع عن القرار، من خلال القول إن تاريخ 30 أيلول مرتبط بموعد انسحاب القوات الأميركية من العراق.

وفي 1 أيلول، نفى مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الأمنية قاسم الأعرجي وجود أي تدخل إيراني في القضية، مؤكدًا أن ملف السلاح “عراقي والحل عراقي”.

وفي الوقت نفسه، أوضح الأعرجي أن 30 أيلول لا يمثل نهاية عملية تنظيم السلاح، وأن الاتصالات ستستمر بعد هذا التاريخ.

كما أشار إلى أن هيئة الحشد الشعبي هي الجهة الأقرب إلى تسلّم الأسلحة، مشددًا على أن الهدف النهائي يتمثل في نقل قرار الحرب والسلام إلى يد القائد العام للقوات المسلحة.

وفي قراءة لأبعاد الطرح الإيراني، قال خبير تحدث إلى الموقع الإخباري العربي إن “الصيغة الإيرانية، إذا تم اعتمادها، تحقق لطهران هدفين: الأول تجنب مواجهة بين حلفائها والدولة العراقية، والثاني الحفاظ على القوة العسكرية للفصائل كورقة يمكن إعادة تفعيلها إذا تغيرت الظروف الإقليمية”.

وبذلك، لا تبدو المعركة الجارية في بغداد مرتبطة بمكان تخزين السلاح فقط، بل بمصير قدرة عسكرية تريد طهران إبقاءها خارج الاستخدام المباشر، من دون أن تفقدها نهائيًا، لتظل حاضرة إذا تبدلت المعادلات الإقليمية.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version