في وقت تتداخل فيه المفاوضات مع التصعيد الميداني، وتبدو الحدود الجنوبية مفتوحة على احتمالات متعددة، يعود السؤال الأصعب إلى الواجهة: كيف يمكن للبنان أن يخوض التفاوض فيما القرار السياسي في جهة والقرار الميداني في جهة أخرى؟ في هذا السياق، يطرح الكاتب السياسي غسان ريفي مقاربة تقوم على ضرورة إيجاد “كلمة سواء” بين الدولة والمقاومة، محذرًا من أن استمرار المسارين منفصلين قد لا يبدد فرص التوصل إلى حل فحسب، بل قد يفتح الباب أمام فتنة داخلية تخدم إسرائيل.
واعتبر ريفي في حديث الى “ليبانون ديبايت” أن المرحلة الراهنة تتطلب الوصول إلى «كلمة سواء» بين الدولة والمقاومة، محذرًا من أن استمرار المسارين السياسي والميداني منفصلين عن بعضهما البعض قد يقود إلى نتائج خطيرة على لبنان، وصولًا إلى الفتنة التي قال إن إسرائيل تسعى إليها لتكريس احتلالها والتدخل في المعادلة السياسية اللبنانية.
اتفاق الاطار في موت سريري
ورأى أن “اتفاق الإطار” بات، في أحسن الأحوال، في حالة “موت سريري”، معتبرًا أن إسرائيل والولايات المتحدة تتعاملان معه كاتفاق انتهى، فيما يحاول لبنان إنعاشه مجددًا.
وبحسب ريفي، فإن إسرائيل حصلت من الاتفاق على ما كانت تريده، فيما أُدخلت السلطة اللبنانية في بنود والتزامات بات من الصعب التراجع عنها، وأضاف أن الجلسات السبع التي عقدت في إطار المفاوضات كانت، برأيه، كافية لتكريس واقع جديد على الأرض، ولا سيما تثبيت الوجود الإسرائيلي في المنطقة الصفراء، والاستعداد لشن هجمات على مواقع وتلال في الجنوب، قبل أن يحول وجود المقاومة دون تنفيذ بعض هذه المخططات.
ويرى ريفي أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وعدم الانسحاب، وعدم وقف إطلاق النار، وتكريس واقع العدوان المستمر على لبنان، يطرح علامات استفهام حول جدوى العودة إلى السيناريو نفسه وإجراء جلسات تفاوض جديدة، بعدما تمكنت إسرائيل، بحسب تعبيره، من انتزاع أمور من السلطة اللبنانية لم تتمكن من انتزاعها خلال الحرب أو خلال سنوات طويلة من معادلة الردع التي كانت قائمة بين إسرائيل والمقاومة.
من يمتلك قرار الميدان لا يمتلك القرار السياسي
وفي ما يتعلق بإمكان فتح قنوات بين حزب الله ورئاسة الجمهورية وانطلاق مفاوضات أكثر جدية بشروط جديدة، شدد ريفي على أن المشكلة الأساسية تكمن في الانفصال بين القرار السياسي والقرار الميداني.
وقال إن “من يمتلك قرار الميدان لا يمتلك القرار السياسي، ومن يمتلك القرار السياسي لا يمتلك قرار الميدان” معتبرًا أن استمرار المفاوضات من دون عملية توافقية تجمع القرارين “تضييع للوقت”.
وأوضح أن لبنان لا يستطيع، سياسيًا بمفرده، تحقيق كل ما يريده، كما أن المقاومة بمفردها لا تستطيع تحقيق كل شيء، وبالتالي فإن استمرار الخطين المتوازيين من دون نقطة التقاء، بحسب ريفي، يشكل خطرًا على البلد.
وحذّر من أن هذا المسار قد يقود إلى “انتحار لبنان”، وربما إلى فتنة ترى إسرائيل فيها مصلحة، معتبرًا أن إسرائيل قد تسعى إلى توظيف أي انقسام داخلي لتكريس احتلالها، والدخول إلى المعادلة السياسية اللبنانية، ودعم فريق في مواجهة آخر، وصولًا إلى إشعال حرب أهلية.
“كلمة سواء” بين الدولة والمقاومة
ويؤكد ريفي أن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس إلغاء أي طرف أو تجاوز المؤسسات، بل التوصل إلى توافق على أولويات مشتركة، معتبرًا أن هناك ثوابت أعلنها رئيس الجمهورية وتبناها الجميع، ويمكن أن تشكل نقطة انطلاق لأي مسار تفاوضي.
ويختصر هذه الأولويات بـالانسحاب الإسرائيلي، ووقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، وعودة الأسر والأهالي إلى قراهم وبلداتهم.
ومن هنا، يدعو ريفي إلى الانطلاق من هذه الثوابت لبناء موقف لبناني موحد، بما يسمح للبنان بامتلاك أوراق قوة في أي تفاوض، بدل أن تجري المفاوضات السياسية بمعزل عن الواقع الميداني، أو أن تكون المقاومة خارج مسار التفاوض، أو أن تجري المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية بمعزل عن الدولة اللبنانية.
ويرى أن المعادلة المطلوبة هي جمع هذه المسارات بدل إبقائها منفصلة، بحيث لا تكون الدولة في جهة والمقاومة في جهة أخرى، ولا تكون المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية منفصلة عن الموقف اللبناني.
تحذير للسلطة
وفي ختام حديثه، وجّه ريفي رسالة واضحة إلى السلطة اللبنانية، معتبرًا أن عليها مسؤولية احتواء مختلف مكونات المجتمع، بما فيها المقاومة، والعمل على إنتاج توافق داخلي حول الأولويات الوطنية.
وحذّر من أن عدم المبادرة إلى هذا المسار قد يدفع لبنان نحو مزيد من الانقسام والخراب، في ظل استمرار الحرب والاحتلال والضغوط الخارجية.
وبينما تبقى المفاوضات مفتوحة على احتمالات متعددة، يختصر ريفي مقاربته بأن لا الدولة قادرة وحدها على إدارة المواجهة سياسيًا، ولا المقاومة قادرة وحدها على إدارة هذا المسار، وأن استمرار الانقسام بين القرارين قد يكون أخطر ما يواجه لبنان في المرحلة المقبلة.

