في وقت تتجه فيه مطارات حول العالم إلى اعتماد مرافق وخدمات أكثر شمولاً تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة والاضطرابات الحسّية، يبرز لبنان بتجربة بدأها قبل سنوات، عندما بادرت الجمعية الوطنية للتوحّد (National Autism Community)، التي ترأسها السيدة ريما فرنجية، إلى إنشاء غرفة حسّية في مطار رفيق الحريري الدولي عام 2018، في مبادرة كانت الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، قبل أن تلتحق بها لاحقاً مطارات وأماكن أخرى وتُنشئ غرفاً حسّية مشابهة.
لم تكن المبادرة مجرد إضافة إلى مرافق المطار، بل جاءت انطلاقاً من إدراك الحاجة إلى توفير بيئة أكثر ملاءمة للأطفال والأشخاص الذين لديهم طيف التوحّد أو اضطرابات حسّية أخرى، ولا سيما أن تجربة السفر بحد ذاتها قد تشكل مصدر ضغط وإرباك كبير لهم.
فالانتقال داخل المطار، بما يرافقه من ضوضاء وحركة وازدحام وإضاءة وروائح ومثيرات حسّية مختلفة، إضافة إلى الانتظار والتغييرات في الروتين، قد يكون أمراً عادياً بالنسبة إلى كثير من المسافرين، لكنه قد يشكل تحدياً حقيقياً بالنسبة إلى طفل لديه توحّد أو اضطراب حسّي، وقد يؤدي إلى ارتفاع مستوى التوتر أو ما يُعرف بالحمل الحسّي الزائد.
تجربة تتطور مع الوقت
وفي هذا الإطار توضح مديرة الجمعية الوطنية للتوحد سابين سعد المكاري أن أهمية الغرفة الحسّية باتت تتكشف بصورة أكبر يوماً بعد يوم، بعدما أظهرت التجربة العملية مدى الحاجة إليها وأهمية الدور الذي تؤديه في مساعدة الأطفال وعائلاتهم خلال رحلة السفر.
وتوضح أن التجربة التجربة لم تتوقف عند إنشائها عام 2018، بل جرى العمل على تطويرها بصورة مستمرة، وقبل نحو عامين، أعادت الجمعية تطوير الغرفة ونقلها إلى موقع آخر، كما عملت على تجهيزها بصورة أكبر من خلال إضافة أدوات وتجهيزات حسّية مختلفة.
وتعتمد هذه التجهيزات، وفق المكاري، على تلبية احتياجات حسّية متعددة، بحيث صُمم كل جهاز أو أداة للمساعدة في التعامل مع نوع معين من المثيرات أو الحواس، فهناك تجهيزات مرتبطة بالنظر، وأخرى باللمس أو السمع وغيرها، بما يتيح للطفل الاستفادة من الأداة التي تتناسب مع احتياجاته الخاصة.
وتؤكد أن تطوير الغرفة عملية مستمرة، إذ يجري العمل بصورة متواصلة على اختبار وتحسين التجهيزات، انطلاقاً من التجربة الفعلية للأطفال الذين يستخدمونها ومن اختلاف الاحتياجات الحسية من طفل إلى آخر.
لماذا يحتاج الطفل إلى الغرفة قبل السفر؟
وتتوقف المكاري، عند ما يعنيه السفر بالنسبة إلى الطفل فقد يكون تجربة مربكة بحد ذاتها، لأن المطار يضم مجموعة من المثيرات التي قد لا ينتبه إليها معظم الأشخاص، لكنها قد تكون شديدة التأثير على طفل لديه توحّد أو اضطراب حسّي.
وبرأيها فإن الصوت المرتفع، الازدحام، حركة المسافرين، الإضاءة، الروائح المختلفة وحتى بعض التفاصيل التي قد تبدو بسيطة بالنسبة إلى الآخرين، يمكن أن تشكل ضغطاً حسّياً على الطفل، ولهذا السبب، تكمن أهمية الغرفة في منح الطفل مساحة يستطيع فيها الابتعاد مؤقتاً عن هذه المثيرات، وتنظيم استجابته لها قبل متابعة إجراءات السفر.
ولا تقتصر الاستفادة من الغرفة على الأطفال الذين يغادرون لبنان ، كما تؤكد المكاري، إذ يمكن أن يستفيد منها أيضاً الأطفال أو المسافرون الذين لديهم رحلات ترانزيت، ضمن منطقة المغادرة، فالهدف الأساسي هو مساعدة الطفل على التعامل مع تجربة السفر نفسها، بصرف النظر عن وجهته.
مبادرة لبنانية سبّاقة
وتلفت الى أن التجربة اللبنانية تكتسب أهمية إضافية لكونها بدأت عام 2018، قبل أن تنتشر فكرة الغرف الحسّية في مطارات وأماكن أخرى في المنطقة، مشيرة في هذا الإطار إلى أن مطارات أخرى، ومن بينها مطار دبي، أنشأت لاحقاً غرفاً حسّية ومرافق مشابهة، إضافة إلى تجارب أخرى في أماكن مختلفة.
وبالتالي، فإن التجربة اللبنانية لا تكتسب أهميتها من كونها خدمة متاحة داخل مطار بيروت فحسب، وإنما أيضاً من كون لبنان كان سبّاقاً إلى اعتماد هذا النوع من المساحات المخصصة للأشخاص ذوي التوحّد والاضطرابات الحسّية.
الحاجة اليوم إلى غرفة حسّية ثانية
وبعد سنوات من تشغيل الغرفة الأولى وتطور التجربة، تكشف بأن الجمعية تعمل حالياً على إنشاء غرفة حسّية ثانية في مطار رفيق الحريري الدولي، حيث تأتي هذه الخطوة نتيجة إدراك أهمية الغرفة الحالية والحاجة إلى توسيع نطاق الاستفادة منها، بحيث لا تقتصر الخدمة على فئة محددة من المسافرين أو على وجهات معينة، والعمل على الغرفة الثانية يأتي أيضاً انطلاقاً من تجربة السنوات الماضية، وما لمسته من مدى مساعدة هذه المساحة للأطفال وأهاليهم خلال رحلة السفر.
من غرفة في المطار إلى رسالة أوسع
بالنسبة إلى الجمعية، لا تقتصر أهمية هذه المبادرة على توفير غرفة مجهّزة داخل المطار، بل ترتبط برسالة أوسع تتمثل في جعل لبنان أكثر تقبلاً للأشخاص باختلاف احتياجاتهم، وأكثر قدرة على استقبالهم وتأمين الظروف التي تسمح لهم بالتنقل والسفر بكرامة.
وتريد الجمعية من خلال هذه التجربة التأكيد على أن الأشخاص الذين لديهم توحّد أو اضطرابات حسّية يجب ألا تكون بيئة المطار عائقاً أمام سفرهم، وأن توفير بيئة ملائمة لاحتياجاتهم يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً بالنسبة إليهم وبالنسبة إلى عائلاتهم.
كما أن العمل على إنشاء غرفة ثانية يعكس الرغبة في تطوير التجربة اللبنانية وتوسيعها، بدلاً من الاكتفاء بالمبادرة الأولى التي أُطلقت قبل سنوات.
رسالة الجمعية
ووقول المكاري :”الرسالة التي تريد الجمعية إيصالها من خلال ذلك واضحة: أن يكون لبنان متقبلاً للجميع، ومستقبلاً للناس مهما كانت احتياجاتهم، وأن تكون المرافق العامة، وفي مقدمتها المطار، قادرة على مراعاة الاختلافات بين المسافرين”.
وتختم:”الغرفة الحسّية ليست مجرد مساحة هادئة داخل المطار، بل مساحة تمنح طفلاً وعائلته فرصة لخوض تجربة السفر بقدر أكبر من الأمان والراحة والكرامة.”
