تتسع دائرة الاعتراض على قرار وزارة التربية والتعليم العالي القاضي بإعادة تنظيم خارطة المدارس الرسمية، عبر دمج عدد من المدارس وإقفال أخرى تعاني تراجعاً كبيراً في أعداد التلامذة أو صعوبات مالية وتشغيلية، في خطوة تقول الوزارة إنها تأتي في إطار ترشيد الإنفاق وتحسين جودة التعليم، فيما يرفضها أهالٍ وفعاليات محلية ونواب في عدد من المناطق، محذّرين من انعكاساتها على التلامذة، ولا سيما في المناطق الريفية والنائية.
ومن الجنوب إلى الشمال مروراً بالبقاع، بدأت تحركات واعتراضات على قرارات الدمج والإقفال، وسط مطالب بإعادة النظر في بعض الحالات التي يعتبر الأهالي أن خصوصيتها الجغرافية والاجتماعية تجعل تطبيق القرار عليها أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تكون المدرسة البديلة بعيدة أو تتطلب نقل التلامذة يومياً.
وفي هذا السياق، أكدت مصادر في وزارة التربية لـ”ليبانون ديبايت” أن القرار لا يستهدف المدارس أو المناطق بصورة عشوائية، بل يستند إلى معطيات مرتبطة بأعداد التلامذة، وتوزيعهم على الصفوف، وكلفة التشغيل، إضافة إلى واقع الأبنية المدرسية.
وأوضحت المصادر أن هناك مدارس تضم صفوفاً لا يتجاوز عدد التلامذة فيها اثنين أو ثلاثة أو خمسة، فيما توجد مدارس أخرى لا يتخطى مجموع تلامذتها خمسين طالباً، الأمر الذي يؤدي إلى إنشاء عدد كبير من الشعب الصفية مقارنة بعدد التلامذة، وبالتالي إلى ارتفاع الحاجة إلى التعاقدات والكادر التعليمي والإداري.
وبحسب المصادر، فإن استمرار هذا الواقع لا يحقق، في بعض الحالات، “جوهر العملية التعليمية”، إذ لا يمكن تأمين بيئة تعليمية متكاملة في صفوف ذات أعداد متدنية جداً، في ظل وجود إدارة وكادر تعليمي وتكاليف تشغيلية لا تتناسب مع أعداد التلامذة.
وتشير الوزارة كذلك إلى عامل أساسي يتمثل في الأبنية المدرسية المستأجرة، موضحة أن هناك أصحاب أملاك يطالبون باسترداد مبانيهم، فيما تعاني الدولة من صعوبة في تسديد بدلات الإيجار نتيجة محدودية الاعتمادات المالية المخصصة للوزارة.
وتقول المصادر إن الوزارة تجد نفسها أمام معادلة صعبة: فمن جهة، هناك ضرورة لترشيد النفقات وتأمين استمرارية الموارد المالية، ومن جهة أخرى، هناك حاجة إلى تأمين بيئة تعليمية سليمة ومدارس تضم أعداداً من التلامذة تسمح بتكوين شعب صفية وكادر تعليمي بصورة أكثر فاعلية.
وفي ما يتعلق بالمتعاقدين، توضح المصادر أن الاعتراضات المرتبطة باحتمال تراجع الحاجة إلى بعض التعاقدات لا يمكن أن تكون وحدها معياراً للإبقاء على شعب صفية تضم أعداداً محدودة جداً من التلامذة، مؤكدة أن الأولوية يجب أن تكون للعملية التعليمية وجودتها وليس للحفاظ على شعب أو تعاقدات لا تفرضها الحاجة التربوية الفعلية.
ماذا عن النقل؟
وأمام اعتراض الأهالي على بُعد المدارس البديلة، تؤكد مصادر الوزارة أن خطة إعادة توزيع التلامذة لا تنفصل عن موضوع النقل، وأن الوزارة تأخذ في الاعتبار خصوصية المناطق التي قد تكون فيها المدارس متباعدة أو الوصول إليها أكثر صعوبة، مؤكدة أن هذا الامر موضوع ضمن الدراسة التي اعدتها الوزارة ويمكن الاستفادة من هبة باصات عددها حوالي 120 باصاً لتأمين نقل الطلاب كانت قدمتها الولايا المتحدة سابقاً كهبة للمدارس الرسمية.
وتقرّ المصادر بأن بعض البلدات والمناطق تختلف عن غيرها، خصوصاً تلك التي تفرض طبيعتها الجغرافية مسافات أطول بين التجمعات السكنية والمدارس، مشيرة إلى أن موضوع تأمين النقل يبقى جزءاً من المعالجة المطلوبة، ولا سيما بالنسبة إلى العائلات التي قد لا تكون قادرة على تحمّل تكاليف التنقل اليومية.
كما تلفت المصادر إلى أن بعض الأبنية المدرسية لا تُستخدم بالشكل المطلوب، وأن هناك مدارس سبق أن خضعت لأعمال ترميم أو صيانة بتكاليف مالية، إلا أن جزءاً منها لا يعمل اليوم بالطاقة التشغيلية المناسبة، ما يعيد طرح مسألة جدوى استمرار استئجار بعض الأبنية أو تشغيلها في ظل أعداد متدنية من التلامذة.
وتشدد الوزارة على أن الخطة لا تقوم على إقفال المدارس لمجرد الإقفال، بل تهدف إلى إعادة تنظيم الموارد المتاحة بما يضمن خفض الهدر وتأمين ظروف تعليمية أفضل.
كفربيتا في الواجهة.. 700 طالب أمام قرار الدمج
وفي الشمال، برز الاعتراض على قرار إقفال مدرسة كفربيتا الرسمية في بحنين ودمجها مع مدرسة المقالع في المنية، وسط تحذيرات من تداعيات القرار على أكثر من 700 طالب وعائلاتهم، خصوصاً لناحية أعباء النقل والمسافات التي سيتعين على التلامذة قطعها للوصول إلى المدرسة البديلة.
وأعلن النائب السابق عثمان علم الدين رفضه الشديد للقرار، محذراً من تداعياته على الطلاب والأهالي، ومعتبراً أن تحميل العائلات أعباء إضافية للنقل والمواصلات في الظروف الراهنة يشكل مشكلة فعلية.
وقال علم الدين إنه تواصل مع الوزارة المعنية، وتبيّن وجود حلول يمكن العمل عليها، مطالباً بتجميد قرار الإقفال والدمج، وفتح المجال أمام معالجة الملف بالتعاون مع الأهالي والفعاليات وأهل الخير في المنطقة، بما يضمن استمرار المدرسة ضمن نطاق بحنين.
وشدد على أن الخلافات الشخصية يجب أن تبقى بعيدة عن الملف التربوي، مؤكداً أن المدرسة ليست ساحة لتصفية الحسابات، وأن مصلحة الطلاب والأهالي يجب أن تبقى فوق أي اعتبار.
بدوره، نقل النائب أحمد الخير الملف إلى رئيس الحكومة، الذي أبدى اهتماماً بالموضوع ووعد بدراسته ومتابعته مع وزيرة التربية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجته بما يراعي المصلحة التربوية.
كما جرى التواصل مع أصحاب المدرسة وإطلاعهم على مجريات البحث، في إطار السعي إلى الوصول إلى معالجة مناسبة للملف.
الأهالي: المدرسة القريبة حق وليست تفصيلاً إدارياً
في المقابل، تتواصل الاعتراضات الشعبية في بحنين والمنية، حيث يرى الأهالي أن قرار الدمج لا ينبغي أن يُتعامل معه باعتباره إجراءً إدارياً فحسب، بل يجب النظر إلى انعكاساته المباشرة على التلامذة والعائلات.
ويتركز جزء أساسي من الاعتراض على مسألة المسافة والتنقل، إذ يخشى الأهالي من اضطرار أبنائهم إلى قطع طرق أكثر خطورة أو عبور الأوتوستراد للوصول إلى المدرسة البديلة، فضلاً عن الكلفة الإضافية التي ستترتب على العائلات.
ويرى الأهالي أن قرب المدرسة من مكان السكن ليس تفصيلاً ثانوياً، بل عنصر أساسي في ضمان حق الطفل في التعليم، ولا سيما في المناطق التي تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية صعبة.
كما يرفض أبناء المنطقة ما يعتبرونه “طمساً” لتاريخ مدرسة كفربيتا الرسمية، مؤكدين أن المدرسة ليست مجرد مبنى، بل جزء من ذاكرة المنطقة وأجيال من أبنائها.
ويطرح الأهالي حلاً بديلاً يقضي بتأمين مبنى جديد ولائق للمدرسة في حال كان المبنى الحالي غير مناسب، بدلاً من إلغاء المدرسة ودمجها، مع الحفاظ على اسم مدرسة كفربيتا الرسمية واستمراريتها.
وفي هذا الإطار، بدأت دعوات إلى تحرك أهلي واسع، من خلال إطلاق عريضة شعبية وجمع التواقيع الرافضة لقرار الدمج، في محاولة لإيصال موقف موحد إلى وزارة التربية والجهات المعنية.
ويؤكد أصحاب هذه المبادرة أن الهدف لا يقتصر على الاعتراض على قرار إداري، بل المطالبة بحل يحافظ على حق أبناء المنطقة في مدرسة رسمية قريبة، وعلى اسم المدرسة وتاريخها، مع تأمين مبنى ملائم إذا كانت المشكلة مرتبطة بالمبنى الحالي.
تحرك نيابي في الجنوب
ولا يقتصر الاعتراض على الشمال، إذ عقد عدد من نواب الجنوب لقاءً بحثوا خلاله قرار وزيرة التربية ريما كرامي المتعلق بدمج عدد من المدارس، وأعلنوا رفضهم للقرار، مؤكدين أنهم سيتابعون الملف مع الجهات المعنية والعمل على معالجة الحالات التي يرون أنها لا تتناسب مع خصوصية مناطقهم.
وبين منطق ترشيد الإنفاق وتحسين جودة التعليم ومنطق الحفاظ على المدرسة الرسمية القريبة من الأهالي، يبقى التحدي أمام وزارة التربية في إيجاد صيغة لا تجعل الإصلاح الإداري يأتي على حساب حق التلامذة في الوصول إلى التعليم، ولا تجعل الاعتراضات المحلية عائقاً أمام معالجة الخلل البنيوي في توزيع المدارس والموارد.

