اكتشفت إسرائيل متأخرة أن إخراج حزب الله عسكرياً من الجنوب لا يعني بالضرورة إخراجه سياسياً واجتماعياً. يمكن تدمير المواقع والأنفاق وإبعاد المقاتلين ونشر الجيش اللبناني، لكن السؤال الأصعب يبدأ في اليوم التالي: من يعيد بناء المنازل، ويعوّض العائلات، ويؤمّن العمل والطبابة والتعليم، ويقنع أبناء القرى بأن الدولة قادرة على حمايتهم؟

هذا السؤال لم يعد محصوراً بالنقاش اللبناني. فقد بدأت الصحافة الإسرائيلية نفسها تحذر من أن إضعاف حزب الله من دون بناء بديل فعلي له قد ينتهي إلى إعادة إنتاج نفوذه. فالحزب لم يرسخ حضوره في الجنوب بالسلاح وحده، بل عبر شبكة خدمات وتعويضات ومؤسسات اجتماعية ملأت فراغ الدولة طوال عقود.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن الاختبار الحقيقي للاتفاق لا يقتصر على نزع سلاح الحزب، بل يتعلق بالجهة التي ستملأ الفراغ بعده. فالسيادة لا تتحقق برفع العلم أو نشر الجنود فقط، بل بقدرة الدولة على تأمين المأوى للنازحين، وتعويض العائلات، وإعادة بناء القرى ومصادر الرزق.

هذا الاعتراف يضع المشروع الإسرائيلي أمام تناقض واضح. فإسرائيل تقول إنها تريد تقوية الدولة اللبنانية، لكنها تواصل تدمير القرى والبنية التحتية التي يفترض أن تعود إليها هذه الدولة. وتطالب السكان بالابتعاد عن حزب الله، فيما تتركهم تحت القصف والنزوح، وتربط الانسحاب والإعمار بشروط أمنية لا يملك المواطن الجنوبي القدرة على تحقيقها.

في المقابل، تطلب الولايات المتحدة والدول الداعمة من لبنان حصر السلاح ونشر الجيش وتفكيك البنية العسكرية للحزب، من دون أن تقدم حتى الآن صندوقاً واضحاً وممولاً لإعادة الإعمار. هناك وعود ومشاريع و”مناطق تجريبية”، لكن لا توجد آلية معلنة تحدد من يدفع التعويضات، ومتى يبدأ البناء، وكيف تعود الخدمات.

المشكلة أن حزب الله يستفيد من كل يوم تتأخر فيه الدولة. فالعائلة التي فقدت منزلها لا تستطيع انتظار نهاية المفاوضات، والمزارع الذي خسر أرضه لا يعيش على الوعود الدولية. وعندما يبقى الحزب الجهة القادرة على دفع بدل إيواء أو مساعدة شهرية أو كلفة علاج، يتحول كل مبلغ إلى نفوذ سياسي ودليل على غياب المؤسسات الشرعية.

أما الجيش اللبناني، فلا يستطيع وحده ملء الفراغ. مهمته الانتشار وحفظ الأمن، لا إدارة ورشة إعمار أو تعويض المتضررين وخلق فرص العمل. وإذا حُمّل مسؤولية الأمن والإعمار والخدمات معاً، من دون مؤسسات مدنية وتمويل كافٍ، فقد يُزج به في مواجهة اجتماعية لا يملك أدواتها.

وحتى مشروع “المناطق التجريبية” لن يُقاس نجاحه بعدد الأسلحة التي تُجمع أو المواقع التي يتسلمها الجيش فقط، بل بسرعة عودة السكان وفتح المدارس وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والطرق. فإذا تحولت المنطقة التجريبية إلى مساحة خالية من حزب الله لكنها مدمرة ومهجورة، فلن تشجع القرى الأخرى على الانضمام إليها.

وهذا لا يعفي الدولة اللبنانية من مسؤوليتها. فقد تركت الحكومات المتعاقبة الجنوب لحزب الله ثم اشتكت من نفوذه فيه. لم تبنِ مؤسسات قادرة، ولم تنشئ صندوقاً شفافاً للإعمار، ولم تحدد جهة موحدة لتقييم الأضرار ودفع التعويضات. واليوم يُطلب منها أن تستعيد خلال أشهر منطقة غابت عنها إنمائياً وسياسياً طوال عقود.

المطلوب إدارة وطنية مستقلة وشفافة للإعمار، تخضع للرقابة وتنشر حجم الأموال ومصادرها وأسماء المستفيدين ومراحل تنفيذ المشاريع. كما يجب ألا تبقى المساعدات الإنسانية وإعادة الخدمات مكافأة مؤجلة إلى ما بعد إنجاز نزع السلاح بالكامل، لأن معاقبة السكان وتأخير عودتهم يقويان الطرف المطلوب إضعافه.

إخراج حزب الله من الجنوب ليس عملية أمنية فقط، بل مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي يحتاج إلى أموال ومؤسسات وثقة. ومن دون ذلك، قد يخرج الحزب من بعض المواقع ليعود من أبواب المنازل المهدمة وحاجات العائلات.

لذلك، فإن السؤال الحاسم ليس فقط مَن ينزع سلاح الحزب، بل مَن يدفع ثمن اليوم التالي. فإذا لم تأت الإجابة سريعاً من الدولة والدول الداعمة لها، سيكون حزب الله هو من يملأ الفراغ مجدداً، ولو من دون أن يطلق رصاصة واحدة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version