لا تؤجّل إسرائيل حسم معركة تلة علي الطاهر لعجز عسكري، بل خشية أن تتحول الضربة القاتلة إلى شرارة مواجهة إقليمية مع إيران. فبحسب تحليل للمراسل العسكري رون بن يشاي في موقع “يديعوت أحرونوت”، يسيطر الجيش الإسرائيلي نارياً على معظم المداخل والفتحات المؤدية إلى المجمع الضخم تحت الأرض، حيث يُعتقد أن عشرات عناصر حزب الله وضباط الحرس الثوري الإيراني محاصرون منذ نحو 10 أسابيع.
وتقدّر تقارير إعلامية وجود ما بين 20 و40 عنصراً من حزب الله داخل المجمع، إلى جانب عشرات الضباط الإيرانيين. وكان بعض المحاصرين قد تمكن من الفرار قبل إحكام الطوق، فيما حاول آخرون الخروج أو إدخال الإمدادات والتعزيزات من قرى هضبة النبطية. وأعلن الحزب أنه نجح في إيصال المياه والطعام والتعزيزات عبر فتحات جديدة حُفرت سراً، وبواسطة المسيّرات.
وتكتسب التلة أهميتها من كونها مركزاً رئيسياً لما يسميه حزب الله “قطاع بدر العملياتي”، الممتد من نهر الليطاني إلى نهر الزهراني. ويمنح ارتفاعها الذي يصل إلى نحو 600 متر قدرة على مراقبة الطرق المؤدية إلى هضبة النبطية، وإدارة النيران باتجاه الجليل وعرقلة أي تقدم إسرائيلي شمالاً.
ووفق التقرير، باغتت وحدات من الفرقة 36 ووحدتا “إيغوز” و”يهلوم” عناصر الحزب عند مداخل الأنفاق، مستفيدة من معلومات استخبارية دقيقة. وأسفرت المواجهات اللاحقة وهجمات المسيّرات عن مقتل 5 جنود وضباط إسرائيليين وإصابة 21 آخرين، مقابل مقتل أكثر من 20 عنصراً من حزب الله.
ورغم قدرة الجيش الإسرائيلي على استخدام الأساليب التي طوّرها لتدمير الأنفاق في غزة ولبنان، فإنه يتجنب حتى الآن تنفيذ عملية واسعة داخل المجمع. والسبب أن إخراج عشرات القتلى والجرحى من حزب الله والحرس الثوري قد يضع طهران أمام ضرورة الرد، ولا سيما أنها تعتبر الحزب رصيداً استراتيجياً، وترى أن وجود ضباط إيرانيين داخل الأنفاق يرفع مستوى المواجهة من ساحة لبنانية إلى اشتباك مباشر معها.
ويقدّر بن يشاي أن سقوط عدد كبير من القتلى داخل التلة قد يدفع إيران إلى إطلاق الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل، فترد الأخيرة داخل الأراضي الإيرانية، قبل أن يمتد التصعيد إلى الخليج والقواعد الأميركية والدول العربية وسوق الطاقة العالمية. وهذا السيناريو لا تريده واشنطن عشية الانتخابات النصفية، ولا الحكومة الإسرائيلية قبل الانتخابات، كما لا تريده دول الخليج التي تخشى اضطراب الملاحة والطاقة.
إلى العامل الإيراني، يضاف حساب عسكري أكثر مباشرة. فالجيش الإسرائيلي لا يريد التورط في قتال طويل داخل متاهة تحت الأرض يعرفها حزب الله جيداً، حيث يمكن لأي تقدم أن يكلّفه خسائر كبيرة. لذلك يفضّل تكرار تجربة حصار أنفاق رفح، حين انتظر أسابيع إلى أن قُتل معظم المحاصرين واستسلم عدد منهم، بدلاً من اقتحام سريع ومكلف.
وفي موازاة الحصار، تجري اتصالات سرية بوساطة أميركية لإنهاء المعركة. ويقترح الجانب اللبناني انسحاب الجيش الإسرائيلي وعناصر حزب الله، على أن يتسلم الجيش اللبناني التلة ويجمع السلاح ويعطّل الأنفاق. إلا أن الخلاف يدور حول التوقيت، إذ يفترض التقرير أن الحزب يطالب بانسحاب متزامن يسمح لعناصره بالخروج بأسلحتهم، فيما تريد إسرائيل التحقق أولاً من جمع السلاح وإغلاق الأنفاق.
هكذا، لا تبدو مهلة الانتظار الإسرائيلية تراجعاً عن الحسم، بل وسيلة ضغط عسكرية وسياسية. فإسرائيل تراهن على أن يؤدي استمرار الحصار إلى إنهاك الموجودين تحت الأرض وإجبار حزب الله على قبول تسوية بشروط أقل، من دون تحمّل كلفة ضربة قد تنقذ المحاصرين من مأزقهم، لكنها تشعل المنطقة بأكملها.
