كتب طوني عطية في نداء الوطن

لسنوات طويلة، احتفظت فرنسا في الوجدان اللبناني بلقب “الأم الحنون”، ولا سيما لدى الموارنة، قبل أن تترسّخ هذه العلاقة أكثر خلال مرحلة الانتداب وقيام دولة لبنان الكبير. غير أن هذه الروابط، وتحديدًا في بعدها السياسي، تعرّضت لهزّات متتالية، ولم تتمكّن باريس من الحفاظ على الموقع والنفوذ نفسيهما اللذين تمتعت بهما. ويعود ذلك إلى عوامل عدة، أبرزها التراجع النسبي لدورها الخارجي، وتبدّل موازين القوى الداخلية اللبنانية، فضلا عن صعود لاعبين إقليميين ودوليين باتوا أكثر حضورًا وتأثيرًا في الساحة اللبنانية.

وفي الظروف الراهنة، وهي من أكثر المراحل مفصلية في لبنان والمنطقة بعد حروب الإسناد وتداعياتها، تقدّمت إيطاليا تدريجيًّا إلى الواجهة من بوابتي الأمن والاستقرار. نسجت على مدى سنوات حضورًا هادئًا وعلاقات متينة مع المؤسسة العسكرية اللبنانية، وتحركت عبر ثلاثة مسارات رئيسية: مشاركتها في “اليونيفيل”، والبعثة العسكرية الإيطالية الثنائية في لبنان (MIBIL)، واللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان (MTC4L) حيث تتولى إيطاليا رئاستها، بما يمنحها دورًا متقدمًا في تنسيق الدعم الدولي للجيش اللبناني والمساهمة في تعزيز قدراته.

أما العامل الأبرز، فحصل مع تحوّل روما إلى مقر للجولات الأخيرة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية. ويمكن تفسير هذا التقدم بما عبّر عنه وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني في مقابلة مع صحيفة La Repubblica الإيطالية، حين قال إن بلاده “تتمتع بعلاقات ممتازة مع الإسرائيليين واللبنانيين والفلسطينيين والأميركيين والسوريين ودول الخليج. وكذلك مع إيران التي نواصل التحاور معها. وهم يعترفون بالدور الذي نؤدّيه”.

وتأتي زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إيطاليا والفاتيكان لتعكس سعي لبنان إلى الاستفادة من الموقع المتقدّم الذي تحتله روما في علاقاتها الدولية، بهدف حشد الدعم لموقف الدولة، وتعزيز قدرات الجيش، ومواكبة أي ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب.

وتندرج هذه الدينامية السياسية ضمن رؤية إيطالية أوسع لدورها الخارجي. ففي ظل التقاطعات الأوروبية والتباينات في مقاربة عدد من الملفات الدولية، تقدّم روما نفسها بوصفها عاصمة أوروبية قادرة على التحدث مع الجميع من دون أن تُحسب على أي طرف. كما وضعت حكوماتها في السنوات الأخيرة البحر المتوسط في صلب مفهومها للأمن القومي، إذ يرتبط استقرار شرق المتوسط بالنسبة إليها بأمن الطاقة والتجارة والهجرة والتوازنات الإقليمية والمصالح الأوروبية المباشرة، ويُعدّ لبنان جزءًا أساسيًّا من معادلة أمن المتوسط.

غير أن صعود الدور الإيطالي لا يمكن فصله أيضًا عن تراجع نسبي للدور الفرنسي. وهنا تبرز نقطة حساسة تتصل بالصورة التي راكمتها سياسة الإليزيه لدى شريحة من اللبنانيين نتيجة طريقة تعاملها مع “حزب الله”. فباريس أبقت أبواب التواصل السياسي مفتوحة مع “الحزب”. وفي ذروة المبادرة الفرنسية التي أعقبت انفجار مرفأ بيروت عام 2020، التقى الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، وتعامل مع “الحزب” باعتباره طرفًا مفيدًا له في أي تسوية داخلية. وأثارت هذه المقاربة منذ ذلك الحين انتقادات أميركية وغربية، إذ حذّر وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو آنذاك  من أن سلاح “حزب الله” قد يطيح المبادرة الفرنسية، في وقت كانت باريس تتعامل مع معالجة هذا السلاح باعتبارها مسألة غير مطروحة ضمن “خريطة الطريق” التي أعدّتها للبنان.

وتزامن ذلك مع تراجع قدرة فرنسا على أن تكون نقطة الالتقاء الدولية والعربية حول الملف اللبناني، كما كانت إلى حد بعيد في عهد الرئيس جاك شيراك. يضاف إلى ذلك أن صورة باريس باتت، لدى شريحة واسعة من القوى السيادية، وكذلك بكركي، مثقلة بإرث علاقتها مع “حزب الله” وبالانطباع بأنها راعت، في مراحل سابقة، حسابات نفوذها ومصالحها في لبنان على حساب إعادة بناء الدولة وحصرية قرارها.

في المقابل، تدخل إيطاليا إلى هذا الدور من دون “الحمولة السياسية” نفسها. فهي لم تراكم في علاقتها اللبنانية إرثًا مشابهًا من الالتباسات مع خطّ “الممانعة”، ولم ترتبط صورتها، بالقدر نفسه، بمحاولات استرضاء “الحزب” أو مراعاة موقعه الداخلي وتدوير الزوايا معه حفاظًا على نفوذ سياسي أو اقتصادي. وهكذا، انحسر تدريجًا الدور الفرنسي الجامع، لتتقدم روما اليوم إلى مساحة كانت باريس تشغلها سابقًا.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version