تعيد موجة غير مسبوقة من الأموال القادمة من قطاعات العملات المشفّرة والذكاء الاصطناعي والمراهنات الإلكترونية رسم خريطة النفوذ السياسي في واشنطن، بعدما تحولت صناعات لم تكن قبل جيل واحد موجودة بالحجم الحالي إلى بعض أبرز الممولين للمعركة الانتخابية الأميركية، في محاولة للتأثير في شكل الكونغرس المقبل والقواعد التي ستنظم أعمالها لسنوات.

وكشفت وكالة «رويترز» أن شركات ومليارديرات ينتمون إلى هذه القطاعات يقودون طفرة قياسية في الإنفاق على انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، مزاحمين قوى تقليدية طالما لعبت دوراً محورياً في تمويل السياسة الأميركية، مثل وول ستريت وقطاعات النفط والأدوية والإعلام.

وتجري انتخابات التجديد النصفي في 3 تشرين الثاني 2026، بحسب الجدول الرسمي للانتخابات الفيدرالية، وستكون جميع مقاعد مجلس النواب وجزء من مقاعد مجلس الشيوخ على المحك، ما يجعلها محطة أساسية لتحديد موازين القوى في الكونغرس خلال النصف الثاني من ولاية الرئيس دونالد ترامب.

ولا يرتبط الاندفاع المالي الجديد بالانتخابات وحدها، بل يأتي في وقت تواجه فيه هذه الصناعات نقاشات تشريعية وتنظيمية شديدة الحساسية، من قواعد التعامل مع العملات المشفّرة، مروراً بتنظيم الذكاء الاصطناعي واستخدام البيانات وحقوق الملكية الفكرية، وصولاً إلى استهلاك مراكز البيانات للطاقة ومستقبل أسواق المراهنات الإلكترونية.

وبحسب بيانات منظمة «المواطن العام»، بلغ الإنفاق المؤسسي المعلن على انتخابات مجلسي النواب والشيوخ خلال الأشهر الـ15 المنتهية في نهاية الربع الأول من 2026 نحو 517 مليون دولار، متجاوزاً بالفعل الرقم القياسي المسجل خلال دورة انتخابات 2024 بأكملها، والبالغ 461 مليون دولار.

وتزداد دلالة الرقم لأن الانتخابات لا تزال على بعد أكثر من شهرين، فيما تشهد الأسابيع الأخيرة عادة الجزء الأكثر كثافة من الإنفاق على الإعلانات وحملات حشد الناخبين والدوائر الانتخابية شديدة التنافس.

وتظهر البيانات أن العملات المشفّرة والذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا والمراهنات الإلكترونية أصبحت المحرك الأساسي لهذه الطفرة. فقد ضخت الشركات المنتمية إلى هذه القطاعات مجتمعة نحو 294 مليون دولار حتى نهاية الربع الأول، أي ما يعادل نحو 57% من إجمالي الإنفاق المؤسسي المعلن خلال الدورة الحالية.

وتأتي شركات العملات المشفّرة في مقدمة المشهد، بعدما بلغ إنفاقها نحو 189 مليون دولار وفق تحليل «المواطن العام» للبيانات الفيدرالية حتى نهاية الربع الأول من 2026، مقارنة بأكثر من 170 مليون دولار أنفقها القطاع خلال دورة 2024 بأكملها.

ولا تنحصر أهمية هذه الأرقام في حجم الأموال، بل في الطريقة التي تستخدم بها. فالقطاع لا يربط نفسه بالضرورة بحزب واحد، بل يركز على دعم المرشحين الذين يتبنون سياسات أكثر ملاءمة للعملات المشفّرة، سواء كانوا جمهوريين أم ديمقراطيين، ومواجهة المرشحين الذين يدفعون باتجاه قواعد أكثر تشدداً.

وكانت انتخابات 2024 بمثابة اختبار بارز لهذه الاستراتيجية، عندما استخدمت شركات مثل «كوين بيس» و«ريبل»، إلى جانب شركة الاستثمار «أندريسن هورويتز»، لجنة العمل السياسي الكبرى «فيرشيك» لتمويل حملات انتخابية مرتبطة بملف العملات الرقمية، ما جعل التجربة نموذجاً تحاول قطاعات أخرى تكراره في انتخابات 2026.

واليوم، يمتد النموذج إلى الذكاء الاصطناعي، الذي كان حضوره السياسي محدوداً نسبياً قبل سنوات قليلة، لكنه بات يملك قدرة مالية كبيرة بالتزامن مع السباق المحموم لوضع قواعد تنظيمية للتكنولوجيا الأسرع نمواً في العالم.

وتبرز في هذا السياق لجنة «ليدينغ ذا فيوتشر»، التي تركز على قضايا الذكاء الاصطناعي، فيما أظهر تقرير «المواطن العام» أن شركات التكنولوجيا الكبرى والذكاء الاصطناعي قدمت نحو 60 مليون دولار من الإنفاق المؤسسي الذي رصده التقرير حتى نهاية الربع الأول، ذهب القسم الأكبر منه إلى لجان سياسية تضع قضايا القطاع في صلب تحركاتها الانتخابية.

كما دخل قطاع المراهنات الإلكترونية بقوة على خط التمويل السياسي. وبحلول 20 آب، أفادت «رويترز» بأن شركات «درافت كينغز» و«فان ديويل» و«فاناتيكس» و«بت 365» ضخت مجتمعة أكثر من 72 مليون دولار في الدورة الانتخابية، مع تركيز واضح على الولايات والسباقات التي يمكن أن تؤثر نتائجها في القواعد المنظمة للمراهنات.

ويعكس ذلك تحولاً في طبيعة جماعات الضغط الاقتصادي داخل الولايات المتحدة. فبدلاً من أن يقتصر النفوذ على القطاعات التي تملك تاريخاً يمتد لعقود، ظهرت صناعات راكمت ثروات هائلة خلال سنوات قليلة، وأصبحت مستعدة لاستخدام جزء منها لضمان حضورها في النقاش التشريعي.

وتلعب «لجان العمل السياسي الكبرى» دوراً محورياً في هذه العملية. فبموجب النظام الأميركي، تستطيع لجان الإنفاق المستقل تلقي مساهمات غير محدودة من الأفراد والشركات والاتحادات، إلا أنها لا تستطيع استخدام تلك الأموال كتبرعات مباشرة للمرشحين، ويجب أن يبقى إنفاقها مستقلاً عن الحملات الانتخابية التي تدعمها.

ويعني ذلك عملياً أن اللجنة تستطيع إنفاق عشرات الملايين من الدولارات على إعلانات تؤيد مرشحاً أو تهاجم منافسه، أو على عمليات تعبئة الناخبين، ما دامت لا تقوم بذلك بالتنسيق مع حملة المرشح نفسه. وتعرّف لجنة الانتخابات الفيدرالية الإنفاق المستقل بأنه إنفاق يدعو إلى انتخاب أو هزيمة مرشح محدد من دون تعاون أو تشاور أو تنسيق معه أو مع حملته.

وجاء التوسع الكبير في هذا النموذج بعد التحولات القانونية التي شهدها نظام تمويل الحملات في أعقاب قرار المحكمة العليا في قضية «سيتيزنز يونايتد» عام 2010 وما تلاه من قرارات، وهو ما فتح المجال أمام لجان الإنفاق المستقل لتلقي مساهمات غير محدودة وفق الضوابط القانونية المعمول بها.

ووفق «المواطن العام»، أنفقت الشركات نحو 1.58 مليار دولار على الانتخابات الفيدرالية منذ 2010، فيما تم إنفاق قرابة ثلث هذا الرقم خلال الدورة الانتخابية الحالية وحدها، رغم أن التصويت العام لم يبدأ بعد. وتؤكد المنظمة أن أرقامها تستند إلى الأموال المعلنة، ما يعني أن الحجم الفعلي قد يكون أكبر في ظل وجود منظمات لا تكشف عن جميع مصادر تمويلها.

ولا تقتصر الأموال على الشركات، إذ يدخل المليارديرات أيضاً بصورة شخصية في المعركة. ووفق الملفات الانتخابية التي راجعتها «رويترز»، خصص مؤسس «سبيس إكس» إيلون ماسك أكثر من 90 مليون دولار للانتخابات الفيدرالية لعام 2026 حتى الآن. كما بلغ إنفاق سيرغي برين، المؤسس المشارك لـ«غوغل»، أكثر من 106 ملايين دولار في كاليفورنيا على قضايا سياسية على مستوى الولاية، بينها معارضة ضريبة مقترحة على الثروات.

أما «ميتا»، المشغلة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام»، فقدمت 65 مليون دولار إلى 4 لجان عمل سياسي لدعم مرشحين من الحزبين في سباقات على مستوى الولايات، في مؤشر إلى أن شركات التكنولوجيا باتت تبني أدوات تأثير تتجاوز حدود السباقات الفيدرالية إلى المجالس والسلطات المحلية أيضاً.

ويثير هذا التدفق الهائل للأموال جدلاً متزايداً داخل الولايات المتحدة حول قدرة المصالح الاقتصادية الضخمة على فرض أولوياتها على النقاش العام. فمنتقدو النظام يرون أن إنفاق مئات الملايين على ملفات مثل العملات المشفّرة والذكاء الاصطناعي والمراهنات قد يمنح هذه القضايا وزناً سياسياً أكبر من قضايا تمس حياة الأميركيين اليومية، مثل أسعار الغذاء والطاقة والرعاية الصحية.

في المقابل، يدافع مؤيدو مشاركة هذه القطاعات في العملية السياسية عن حقها في السعي إلى التأثير في القواعد التي تنظم أعمالها، معتبرين أن الصناعات الناشئة يجب أن تتمتع بصوت مشابه للصوت الذي تملكه منذ عقود شركات النفط والمصارف والأدوية وقطاعات اقتصادية أخرى.

ولا يعني الحجم الهائل للإنفاق أن المال قادر بمفرده على حسم الانتخابات. فالنظام الانتخابي الأميركي يقوم على مئات السباقات المحلية المختلفة، كما أن المرشحين الذين يواجهون نفوذ الشركات والمانحين الأثرياء جعلوا من مكافحة تأثير المال السياسي جزءاً من حملاتهم.

لكن المؤكد أن انتخابات 2026 تسير نحو أن تكون واحدة من أكثر الدورات كلفة في التاريخ الأميركي. وتتوقع شركة أبحاث الإعلانات السياسية «أد إمباكت»، بحسب «رويترز»، أن يبلغ الإنفاق على الإعلانات السياسية خلال دورة التجديد النصفي نحو 11.6 مليار دولار، متجاوزاً المستوى القياسي البالغ 11.2 مليار دولار في دورة 2023-2024.

وبذلك، لم تعد المعركة الدائرة قبل 3 تشرين الثاني مجرد سباق بين الجمهوريين والديمقراطيين على السيطرة على الكونغرس، بل تحولت أيضاً إلى اختبار للقوى الاقتصادية التي ستملك القدرة الأكبر على الوصول إلى المشرعين والتأثير في التشريعات خلال السنوات المقبلة.

فمن العملات المشفّرة إلى الذكاء الاصطناعي والمراهنات الإلكترونية، تقتحم ثروات جديدة النظام السياسي الأميركي بسرعة لافتة، وتعيد تشكيل شبكة النفوذ التي حكمت واشنطن لعقود، فيما يبقى السؤال الأكبر بعد الانتخابات: هل يقتصر تأثير هذه الملايين على صناديق الاقتراع، أم يمتد إلى القوانين التي سيكتبها الكونغرس بعد وصول الفائزين إلى مقاعدهم؟

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version