لم تعد النبطية تحتاج إلى صافرات إنذار كي تدرك أن خطراً جديداً يقترب منها، يكفي أن يتبدّل لون السماء، وأن يدخل الهواء محمّلاً برائحة خانقة، حتى تبدأ العائلات بإغلاق النوافذ والبحث عن زاوية أقل تلوّثاً داخل منازلها. وفي هذا الاطار، عاشت النبطية، ليل أمس، واحدة من أخطر الأزمات البيئية والصحية، بعدما اندلعت حرائق في مكبّات عشوائية ونقاط لتجميع الخردة والبلاستيك، فغطّت سحب كثيفة من الدخان الأسود مساحات واسعة من المنطقة، وتسلّلت الروائح الكريهة إلى داخل المنازل، محوّلةً ليل السكان إلى ساعات طويلة من القلق والخوف والأرق، وسط تسجيل حالات اختناق ومشكلات صحية.
لم تكن تلك الساعات مجرّد ليلة ثقيلة مرّت على الأهالي، بل إنذاراً جديداً من خطر يتكرّر بصمت، من دون أن يجد السكان جهة قادرة على وقف مصادره أو حمايتهم من تداعياته.
وفي منطقة أنهكتها الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وجد الأهالي أنفسهم أمام تهديد من نوع آخر، لا يُسمع دويّه، لكنه يتسلّل إلى الرئات والمنازل، ويحرم العائلات أبسط حقوقها: التنفّس بأمان.
وما حدث ليل أمس لا يمكن التعامل معه على أنه حريق عابر ينتهي بانطفاء النيران أو تبدّد الدخان، بل يكشف عن أزمة بيئية مفتوحة تتفاقم في ظل غياب الرقابة وانتشار المكبّات العشوائية والأنشطة الملوّثة بالقرب من الأحياء السكنية.
والأشد خطورة أن السكان لا يعرفون طبيعة المواد التي تحترق بالقرب منهم، ولا حجم السموم التي يحملها الهواء، ولا الآثار الصحية التي قد تظهر لاحقاً، ولا سيما لدى الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
ومع كل ليلة مماثلة، يتحوّل المنزل من مساحة آمنة إلى مكان محاصر بالدخان، فيما تُغلق العائلات نوافذها وتنتظر ساعات طويلة، أملاً في عودة الهواء النظيف.
لم تعد هذه الأزمة تحتمل البيانات أو تبادل المسؤوليات، بل تتطلّب تحرّكاً عاجلاً لإقفال مصادر التلوّث، وتحديد المسؤولين عن الحرائق ومنع تكرارها، ومحاسبة كل من يعرّض صحة الأهالي للخطر.
ما يطلبه سكان النبطية ليس امتيازاً، بل حق بديهي في هواء لا يسمّمهم. غير أن ليلة أمس أثبتت، مجدداً، أن هذا الحق بات مهدّداً، وأن الأهالي تُركوا وحدهم في مواجهة دخان أسود يقتحم منازلهم ويحوّل ليلهم إلى خوف واختناق.
