في وقت تتزايد فيه كميات السلاح غير القانوني المتداولة داخل إسرائيل، تكشف أرقام رسمية عن ثغرة أمنية أكثر حساسية داخل الجيش الإسرائيلي نفسه، بعدما سجّل عام 2024 قفزة غير مسبوقة في سرقة الأسلحة من عهدته، معظمها من القواعد العسكرية ومناطق التدريب، بالتزامن مع توقف الجيش عن جمع بعض البيانات التفصيلية المتعلقة بهذه الظاهرة والإبلاغ عنها بشفافية.
وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع “ماكو” الإسرائيلي، أظهرت بيانات رسمية للجيش الإسرائيلي، كُشف عنها بعد معارك قضائية خاضتها “حركة حرية المعلومات”، صورة وصفها التقرير بالخطيرة والمقلقة بشأن مستوى حماية الأسلحة داخل القواعد العسكرية وفرق الحراسة والاستنفار في البلدات.
ووفق البيانات، شهد عام 2024 ارتفاعًا دراماتيكيًا وغير مسبوق في عمليات سرقة الأسلحة من عهدة الجيش الإسرائيلي، إذ بلغ مجموع الأسلحة المسروقة 75 قطعة، غالبيتها بنادق هجومية متطورة ورشاشات ثقيلة.
وأوضح التقرير أن البيانات المتاحة تتعلق بعام 2024، لأن طلبات الحصول على المعلومات تُقدَّم وفق مجموعات من السنوات، عادةً 4 سنوات، بما يتيح إجراء المقارنات بين الفترات المختلفة.
وتكشف المقارنة عن قفزة بنحو 316% في عدد الأسلحة المسروقة مقارنة بعام 2023، الذي سُجلت خلاله سرقة 18 قطعة سلاح فقط.
لكن ما اعتبره التقرير أكثر إثارة للقلق هو رد الجيش الإسرائيلي على “حركة حرية المعلومات”، إذ أفاد بأنه توقف عن متابعة بعض هذه البيانات وتقديم تفاصيل ومعلومات شفافة للجمهور.
وانتقدت المديرة العامة لـ”حركة حرية المعلومات”، المحامية هيدي نيغف، هذا السلوك بشدة، وقالت: “كشف البيانات أمر بالغ الأهمية للرقابة العامة. حقيقة أن الجيش الإسرائيلي أجاب بأنه أوقف المتابعة ليست أقل من مذهلة. إذا كانت هناك ظاهرة إشكالية، فلن نتوقف عن التعامل معها لمجرد أننا توقفنا عن معرفة حجمها”.
وأضافت: “على الجيش الإسرائيلي أن يتوقف عن محاربة الشفافية والمعلومات، وألا يكنس المشكلة تحت السجادة”.
وأشار التقرير إلى أن سرقات الأسلحة والوسائل القتالية من الجيش الإسرائيلي لا تشكّل سوى نسبة صغيرة من إجمالي السلاح غير القانوني الذي يدخل إسرائيل ويصل إلى جهات إجرامية وما وصفه التقرير بجهات إرهابية، إلا أن الأرقام تظهر اتجاهًا واضحًا ومقلقًا.
ففي عام 2021، سُرقت 28 قطعة سلاح، فيما بلغ العدد 27 قطعة في عام 2022. وبعد انخفاض محدود خلال عام 2023، حطم عام 2024 جميع الأرقام السابقة، مسجلًا ارتفاعًا غير مسبوق اعتبر التقرير أنه يعكس خللًا أمنيًا عميقًا داخل المنظومة.
ولا تزال بنادق M-16 وM-4، التي يصعب تهريبها مقارنة بأسلحة أخرى، الهدف المفضل للسارقين، إلا أن تقرير عام 2024 كشف أن المسروقات لم تقتصر عليها، بل شملت أسلحة أكثر فتكًا وتعقيدًا.
ومن بين الأسلحة التي سُرقت، ما لا يقل عن 8 رشاشات من طراز “ماغ”، ورشاش من طراز “نيغيف”، إضافة إلى بنادق “ميكرو تافور” وبنادق هجومية حديثة من طراز “عراد”.
وعلى خلاف التقديرات التي تفترض أن معظم الأسلحة تُسرق من منازل الجنود أو من أماكن مدنية، أظهر توزيع البيانات أن غالبية عمليات السرقة وقعت من داخل منظومة الجيش الإسرائيلي نفسها، وتحديدًا من القواعد العسكرية ومناطق التدريب.
ومن بين حوادث السرقة التي جرى تفصيلها في عام 2024، نُفذت ما لا يقل عن 20 عملية سرقة مباشرة من داخل قواعد عسكرية، فيما وقعت 15 عملية إضافية “خارج المعسكر”، ولا سيما في مناطق إطلاق النار وخلال التدريبات.
وفي واحدة من أخطر الحوادث، سُرقت 5 بنادق من طراز M-4 في عملية واحدة من داخل قاعدة عسكرية في جنوب إسرائيل.
ولفت التقرير إلى أن معظم عمليات السرقة لم يُبلّغ عنها في الوقت الفعلي، أو لم يُبلّغ عنها أساسًا.
وتصدرت منطقة قيادة الجنوب خريطة سرقات السلاح، مع تسجيل ما لا يقل عن 19 حادثة مختلفة خلال عام 2024، تلتها قيادة الشمال بـ13 حادثة، ثم قيادة الوسط بـ12 حادثة.
ولم تكن فرق الحراسة والاستنفار في البلدات المدنية بمنأى عن الظاهرة، إذ سجل عام 2024 حادثة استثنائية تمثلت بسرقة بندقية من طراز “عراد” من داخل مركبة دورية تابعة لإحدى البلدات.
إلا أن التقرير اعتبر أن ما هو أخطر من ارتفاع عدد السرقات هو الخطوة غير المسبوقة التي اتخذها الجيش الإسرائيلي في التعامل مع الانتقادات، والمتمثلة في وقف جمع جزء من البيانات.
ففي السنوات السابقة، كان الجيش قادرًا على تقديم قوائم شديدة الدقة لكل طلقة وقنبلة جرى سرقتها، بما يشمل عشرات آلاف الطلقات من عيار 5.56 ملم، وقنابل شظايا، وعبوات ناسفة، وكتلًا من المواد المتفجرة.
لكن في عام 2024، أعلن الجيش الإسرائيلي أن هذه البيانات لم تعد تُدار بصورة محوسبة.
وفي الرد الرسمي المقدم إلى “حركة حرية المعلومات”، أقر الجيش بأن المعلومات المتعلقة بسرقة الوسائل القتالية والذخيرة “غير موجودة بصورة محوسبة في أنظمة المعلومات”.
وجاء في رد الجيش: “لا يمكن تقديم بيانات عن سرقات الوسائل القتالية ووسائل المساعدة كما تم تقديمها في الردود السابقة. لا تجري متابعة منظمة للموضوع كما كانت تُجرى في الماضي”.
كما رفض الجيش استخراج المعلومات يدويًا من نحو 620 ملف تحقيق تابع للشرطة العسكرية، معتبرًا أن ذلك يتطلب “تخصيصًا غير معقول للموارد”.
وكان التقرير مرفقًا بصورة لقوة خلال عملية ضبط وسائل قتالية، بينها سلاح من طراز “كارلو”، بحسب الصورة المنسوبة إلى المتحدث باسم الشرطة.
وفي ظل واقع تتسرب فيه أسلحة وذخائر عسكرية فتاكة إلى منظمات إجرامية وجهات معادية، يضع توقف الجيش الإسرائيلي عن معرفة الحجم الدقيق لما يُسرق من قواعده مشكلة تتجاوز الأرقام نفسها: فالثغرة الأمنية لا تتعلق فقط بسلاح يختفي من المخازن، بل أيضًا بمنظومة باتت أقل قدرة على تحديد حجم التسرب الذي يجري من داخلها.

