كتب صلاح سلام في اللواء:

لا يبدو أن حكومة بنيامين نتنياهو مستعدة للارتداع، أو حتى لمراجعة سياسة التصعيد المنهجي التي تمارسها في لبنان وغزة وسوريا. فالغارات والاغتيالات والتدمير لم تعد ردوداً ظرفية على حوادث ميدانية، بل تحولت إلى نهج ثابت يرمي إلى فرض الوقائع بالقوة، وإفراغ المسارات السياسية من مضمونها، واستخدام التفاوض غطاءً لاستمرار العدوان لا طريقاً لإنهائه.

وتكمن المفارقة في أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الغارق في الحرب الإيرانية، ويمنح الملف الإيراني الأولوية المطلقة، لما ينطوي عليه من مخاطر عسكرية واقتصادية، ولا سيما تأثير اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار على مزاج الناخب الأميركي قبيل انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني. وفي ظل هذا الانشغال، يبدو أنه ترك لنتنياهو هامشاً واسعاً للتحرك العسكري في لبنان وغزة، مراعاة لحساباته الانتخابية ووضعه الشعبي المتراجع في الداخل الإسرائيلي.

لكن تحويل لبنان إلى ساحة لتعويم نتنياهو انتخابياً أمر لا يمكن التسليم به، كما أن السكوت الأميركي عن تماديه يناقض دور واشنطن بوصفها راعية للمفاوضات وضامنة لاتفاق الإطار. فالوسيط الذي يعجز عن وقف الاعتداءات، أو يمتنع عن ممارسة الضغط على المعتدي، يفقد حياده وصدقيته معاً.

من هنا، جاء قرار الدولة اللبنانية عدم إرسال الوفد العسكري إلى الجولة المقبلة في روما بمثابة إنذار سياسي مشروع: لا يمكن البحث في ترتيبات أمنية وتقنية فيما تواصل وتهدم القرى، وترفض تحديد مناطق جديدة للانسحاب. وقد تضطر بيروت، إذا استمرت العربدة الإسرائيلية، إلى رفع مستوى اعتراضها وعدم إرسال الوفد السياسي والدبلوماسي أيضاً.

غير أن تعليق المشاركة يجب أن يبقى ورقة ضغط محسوبة، لا انسحاباً نهائياً يتيح لإسرائيل تحميل لبنان مسؤولية إفشال المفاوضات. والمطلوب أن تقترن الخطوة اللبنانية بطلب واضح من واشنطن: وقف فوري للاعتداءات، وجدول ملزم للانسحاب، وضمانات تنفيذية لا وعود شفوية قابلة للتبخر.

كما أن على الدول العربية والأوروبية الداعمة لاستقرار لبنان أن تخرج من دائرة الإدانة اللفظية، وأن تساند الموقف اللبناني في المحافل الدولية، لأن حماية التفاوض تبدأ بحماية المدنيين وفرض احترام السيادة.

لقد التزم لبنان خيار الدولة والتفاوض، وأبدى أقصى درجات المرونة. أما أن يُطلب منه التفاوض تحت النار، فيما يُكافأ المعتدي بمزيد من الوقت والحرية، فذلك استسلام مقنّع لا تسوية. الكرة اليوم في الملعب الأميركي: إما إلزام نتنياهو بقواعد الاتفاق، وإما تحمّل مسؤولية انهيار المسار الذي رعته واشنطن، وما قد يترتب عليه من انفجار جديد لن تبقى تداعياته داخل الحدود اللبنانية.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version