في أقل من شهر، برز حراك لبناني لافت باتجاه أنقرة، تمثّل بزيارتَي رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى تركيا، حملتا معاً ملفات اقتصادية وسياسية وأمنية متشابكة، وأبدت خلالهما تركيا استعدادها للانخراط في هذه الملفات على أكثر من مستوى، في ما يعكس رغبة مشتركة بين البلدين في إعادة رسم موقع لبنان ضمن التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
فالزيارتان جاءتا في توقيت لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي المتغيّر: فسوريا ماضية في اعادة التموضع بعد سقوط النظام السابق، وتركيا تتقدّم بثبات لملء الفراغ الذي خلّفه تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، فيما يحاول لبنان، وسط هذه التحولات، التقاط أنفاسه أمام استحقاقات داخلية معقّدة، أبرزها ملف الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ونزع سلاح حزب الله واستحقاق إعادة الإعمار، ومحاولة الدولة ترسيخ شرعيتها الكاملة في مواجهة إرث سنوات من الانقسام والازدواجية في القرار.
“إعلان نوايا” لا مشاريع فعلية
وفي هذا السياق، ترى الخبيرة في شؤون الطاقة لوري هايتايان عبر “لبنان٢٤” أن ما جرى الإعلان عنه لا يتعدى تبادل النوايا بين البلدين، اذ لا توجد حتى الآن مشاريع واضحة المعالم تحكم التعاون اللبناني التركي في ملفات الطاقة والنفط والكهرباء. وتعتبر هايتايان أن خطوة اعلان النوايا إيجابية بحدّ ذاتها، كون لبنان بحاجة اليوم، مع تبلور تموضعه السياسي في المنطقة تدريجياً، إلى تكثيف جهوده الدبلوماسية في مختلف القطاعات ومن بينها الطاقة، والانفتاح على كل الجهات القادرة على جذب الاستثمارات لهذا القطاع. غير أنها تشدّد على أن نجاح هذا التوجه مرهون بامتلاك لبنان رؤية واضحة لسياسته الطاقوية ولنوعية الاستثمارات التي يريدها، بما يتيح له التفاوض بوضوح مع الدول والجهات المانحة والشركات، وصولاً إلى مشاريع فعلية لا مجرد رغبات معلنة.
أما بالنسبة إلى الجانب التركي، فتوضح هايتايان أن أنقرة تنطلق من خبرتها في تمرير الغاز الأذربيجاني عبر أراضيها لتزويد محطات الكهرباء في حلب، وهو ما يجعلها تفكر في إمكانية تسهيل أمر مماثل للبنان، وإن كانت البنية التحتية اللازمة لنقل الغاز غير متوفرة حالياً. وفي ملف النفط، تشير إلى أن الشركات التركية، وإن لم تكن تملك القدرات الكبرى التي تتمتع بها شركات مثل توتال أو إني، قد تكون قادرة على إجراء مسوحات بحرية إذا رغب لبنان بذلك، لا سيما أن المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية جرى مسحها بالفعل، فيما قد تجد بعض المشاريع البرية المحتملة مساهمات تركية إذا توفرت لديها القدرة اللازمة.
وتخلص هايتايان إلى أن كل هذه الملفات تبقى، في مرحلتها الراهنة، إعلان نوايا لا أكثر، في ظل غياب مشاريع ملموسة على الطاولة، مذكّرة في هذا السياق بتجربة البواخر التركية التي شكّلت صدمة للبنانيين، ومتسائلة عمّا إذا كانت السلطة الحالية ترغب في تكرارها ضمن الحل الكهربائي. وتخلص إلى أن الدبلوماسية الطاقوية بين البلدين خطوة جيدة في ذاتها، لكنها ترى أن الحديث اليوم عن مشاريع جادة وحقيقية للتعاون التركي اللبناني في هذا الملف لا يزال سابقاً لأوانه.
التمويل… العقبة الأساس
في مقابل هذه القراءة الحذرة لملف الطاقة، يرى الرئيس التنفيذي للمعهد اللبناني لدراسات السوق (LIMS)، الخبير الاقتصادي الدكتور باتريك مارديني، عبر “لبنان٢٤”، أن هناك اليوم إمكانية لشراكة استراتيجية تجمع تركيا وسوريا ولبنان، بل قد تمتد لتشمل العراق أيضاً، وهذه الشراكة تعني عملياً قيام أسواق مشتركة ومشاريع اقتصادية مشتركة بين هذه الدول. ويوضح أن لهذه الشراكة بعداً سياسياً واضحاً يتمثل في ملء الفراغ الذي خلّفه تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، مشيراً إلى أن تركيا تقوم بهذا الدور حالياً في سوريا. كما يشير إلى بعد أمني فيها، إذ تُبدي تركيا اهتماماً بأن تكون جزءاً من القوات التي ستتولى مهامها في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، وهو ما يفسّر الحديث القائم عن تعاون عسكري وتدريب للجيش وتنسيق أمني. وبذلك، يخلص مارديني إلى أن المصالح القائمة بين البلدين جيواستراتيجية وعسكرية وأمنية وسياسية في آن واحد، إضافة إلى بعدها الاقتصادي.
وفي تفصيله للجانب الاقتصادي، يميّز مارديني بين نوعين من المشاريع: الأولى صغيرة قابلة للتنفيذ السريع، والثانية مشاريع كبيرة تحتاج إلى تفاهمات إقليمية أوسع. ويعطي كمثال على المشاريع الصغيرة استجرار الكهرباء من تركيا عبر آلية “السواب” (Swap) باستخدام الشبكة السورية، معتبراً أن هذا المشروع، رغم حاجته إلى إصلاحات وعمليات تصليح للشبكة في سوريا، هو مشروع جدّي ونشط حالياً. ويضيف أن هذا المشروع قد يتطور على المدى المتوسط إلى خط بحري يربط الساحل السوري بالساحل التركي وصولاً إلى طرابلس عبر كابل كهرباء، بما يتيح تزويداً أكبر للبنان بالكهرباء من تركيا، لافتاً إلى أن هذا الخيار لا يزال قيد الدراسة، مع وجود دراسات فنية متقدمة نسبياً ترتبط بمنشآت اقتصادية في طرابلس، كمرفأ طرابلس ومصافي النفط والمنطقة الاقتصادية هناك، وأن هذه المشاريع تخضع أيضاً لدراسات جدوى وقد تصبح واقعية.
أما إعادة تفعيل خط سكة حديد الحجاز وإعادة إعمار الجنوب، فيضعهما مارديني في خانة المشاريع التي لا تزال أقرب إلى الطروحات منها إلى المشاريع الجاهزة للتنفيذ، نظراً إلى حاجتها لتفاهمات وتسويات إقليمية أوسع ووقت أطول. وفي المقابل، يبقى التمويل العقبة الأبرز أمام تحويل هذه المشاريع إلى واقع، إذ يطرح السؤال حول الجهة القادرة على تأمين الكلفة المطلوبة. وفي هذا الإطار، يشير مارديني إلى إمكانية قيام تفاهمات تمويل إقليمية بمشاركة قطر والسعودية، إلا أن ذلك يبقى مرتبطاً بتسوية إقليمية أوسع. كما يلفت إلى احتمال دخول القطاع الخاص التركي على خط الاستثمار، سواء من خلال صيغة “البناء والتشغيل ونقل الملكية” (BOT)، أو عبر قروض من مؤسسات مصرفية دولية تتيح للشركات التركية تنفيذ هذه المشاريع. وبذلك، يبقى الانتقال من مرحلة الطرح إلى التنفيذ مرتبطاً بتأمين التمويل وبتبلور التسويات الإقليمية التي تسمح بإطلاق هذه المشاريع.
إن ما جرى الإعلان عنه بين لبنان وتركيا يبقى، في جوهره، إعلان نوايا أكثر منه اتفاقاً على مشاريع محسومة، وبالتالي فإن تطور هذه العلاقة يبقى مرتبطاً بمسار الاستقرار الداخلي في لبنان، وبوتيرة التفاهمات الإقليمية التي تحدّد سقف التعاون الممكن بين البلدين.

