عاد اسم سجن “ألكاتراز” الأسطوري إلى الواجهة الأميركية، بعد عقود على إغلاقه، مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إعادة تشغيله وتوسيعه لاستقبال من وصفهم بأخطر المدانين، في خطوة أعادت فتح صفحات واحد من أشهر السجون وأكثرها صرامة وغموضًا في تاريخ الولايات المتحدة.

يقع “ألكاتراز” على جزيرة تحمل الاسم نفسه في خليج سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، على مسافة تقارب كيلومترين من الساحل، وكان المبنى الذي شُيّد عام 1912 يُعد في حينه من أبرز المنشآت الخرسانية المسلحة في البلاد.

وبدأت قصة الجزيرة قبل تحولها إلى سجن فيدرالي، إذ استُخدمت في الأصل موقعًا عسكريًا لحماية خليج سان فرانسيسكو، كما احتُجز فيها خلال الحرب الأهلية الأميركية عدد من الأسرى والهاربين.

وفي آب 1934، انتقل المجمع إلى إشراف وزارة العدل الأميركية وتحول إلى سجن فيدرالي شديد الحراسة خُصص لاستقبال سجناء اعتُبروا من الأكثر خطورة أو الذين شكّلوا تحديًا للمؤسسات العقابية الأخرى.

واشتهر “ألكاتراز” بقواعده الصارمة وظروف الاحتجاز القاسية. وضم قسمًا للحبس الانفرادي، حيث كان بعض السجناء يُحتجزون في زنازين صغيرة لا تتجاوز أبعادها نحو 2.7 × 1.5 متر، تحتوي على الحد الأدنى من التجهيزات.

وفرضت إدارة السجن قيودًا شديدة على الحركة والكلام، وكانت عمليات تعداد السجناء تتكرر مرات عدة يوميًا، إلى جانب التدقيق في أدوات الطعام بعد الوجبات لمنع استخدامها في محاولات الفرار.

أما القسم المعروف باسم “دال”، فخُصص لمعاقبة المخالفين، واشتهر بظروف أكثر قسوة، فيما عُرفت مجموعة من الزنازين المعزولة باسم “الحفرة”، حيث كان الاحتجاز يتم في ظروف شديدة الصعوبة.

ومن أشهر نزلاء ألكاتراز زعيم الجريمة المنظمة آل كابوني، الذي أمضى نحو 4 سنوات ونصف السنة داخله، وعانى خلال تلك المرحلة تدهورًا صحيًا انعكس على حالته النفسية، ما استدعى عزله عن بقية السجناء في فترات معينة.

وخلال 29 عامًا من تشغيل السجن الفيدرالي، سُجلت 14 محاولة هروب شارك فيها 36 سجينًا، إلا أن أكثرها شهرة وقعت عام 1962 عندما تمكن فرانك موريس والشقيقان جون وكلارنس أنجلين من مغادرة زنازينهم بعد خطة معقدة.

واستخدم الثلاثة أدوات بدائية لتوسيع فتحات الهروب، وصنعوا رؤوسًا وهمية لخداع الحراس، قبل أن يغادروا الجزيرة على طوافة محلية الصنع. وما زاد القضية غموضًا أن مصيرهم بقي مجهولًا، ولم يُحسم بصورة قاطعة ما إذا كانوا نجحوا في النجاة أم لقوا حتفهم في مياه الخليج.

وشهد ألكاتراز أيضًا عام 1946 أحداثًا عُرفت باسم “معركة ألكاتراز”، عندما حاول عدد من السجناء السيطرة على أجزاء من السجن، وانتهت المواجهات بسقوط حارسين و3 سجناء وإصابة 15 شخصًا.

وفي 21 آذار 1963، أُغلق السجن نهائيًا، بعدما أصبحت كلفة تشغيله وصيانته مرتفعة للغاية مقارنة بالسجون الأخرى، إضافة إلى تضرر مبانيه بفعل موقع الجزيرة والهواء المشبع بالأملاح.

وبعد الإغلاق، شهدت الجزيرة فصلًا جديدًا من تاريخها عندما احتلها ناشطون من السكان الأصليين بين عامي 1969 و1971، في تحرك هدف إلى المطالبة بحقوقهم والاعتراف بأهمية الجزيرة بالنسبة إليهم.

وتحول ألكاتراز لاحقًا إلى موقع تاريخي وسياحي ضمن منطقة “غولدن غيت” الوطنية، وأصبح يستقطب أعدادًا كبيرة من الزوار الراغبين في مشاهدة الزنازين والممرات التي ارتبطت بأشهر قصص السجون والهروب في التاريخ الأميركي.

لكن ترامب أعاد السجن إلى النقاش السياسي في أيار 2025، عندما دعا عبر منصة “تروث سوشال” إلى إعادة فتح ألكاتراز بعد توسيعه وإعادة بنائه بصورة كبيرة، ليستخدم في احتجاز من وصفهم بأكثر المدانين قسوة وعنفًا في الولايات المتحدة.

وأعلن ترامب أنه وجّه مكتب السجون، بالتنسيق مع وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي، إلى العمل على إعادة فتح المنشأة، معتبرًا أن ألكاتراز يجب أن يعود ليشكّل “رمزًا للقانون والنظام”.

وأثارت الفكرة ردود فعل سياسية متباينة، إذ شكك عدد من المسؤولين في إمكانية تنفيذها وجدواها المالية، فيما انتقدتها شخصيات ديمقراطية في كاليفورنيا، معتبرة أن تحويل الموقع التاريخي مجددًا إلى سجن حديث سيحتاج إلى تكاليف ضخمة.

وهكذا، بعد أكثر من 60 عامًا على إغلاق أبوابه أمام السجناء وتحوله إلى مقصد تاريخي، أعاد ترامب ألكاتراز إلى دائرة الجدل. وبين رمزيته المرتبطة بأشد مراحل النظام العقابي الأميركي وكلفة إعادة تأهيله بعد عقود من الإغلاق، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت دعوة إعادة افتتاحه قابلة للتحول إلى مشروع فعلي أم أنها ستبقى عنوانًا سياسيًا يعيد استحضار أشهر سجون أميركا.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version