صنّف موقع Broadband Genie البريطاني أسعار الإنترنت الثابت حول العالم لعام 2026، وشمل 214 دولة و2,631 باقة اشتراك. وجاء لبنان في المركز الثاني عربياً بعد مصر، والثالث بعد إيران ومصر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما جاء في المركز الخامس عشر عالمياً لجهة كلفة الاشتراك بخدمة الإنترنت على المواطن اللبناني، بمتوسط كلفة شهرية بلغ 14.23 دولاراً، في مقابل متوسط عالمي للكلفة يبلغ 57.73 دولاراً.

وبناءً عليه، اعتُبر لبنان من أرخص دول العالم في بيع خدمة الإنترنت. فهل هذا صحيح؟

يختصر مصدر مطّلع لـ”ليبانون ديبايت” هذا التصنيف بالقول إن “في لبنان إنترنت رخيصاً على الورق… غالياً على جيب المواطن وبطيئاً على الشاشة”، بمعنى أن كلفة هذه الخدمة رخيصة عندما نقيسها بالدولار فقط، لكنها تصبح من الأغلى عندما نقيس ما يحصل عليه المواطن مقابل هذا السعر، ومدى قدرة دخله على تحمّله.

يشرح المصدر هذه المفارقة بالقول: “الإنترنت في لبنان ليس بالضرورة رخيصاً، فهو كذلك عند تحويل الاشتراك إلى الدولار، لكن الخدمة نفسها بطيئة ودخل المواطن اللبناني منخفض، وبالتالي العبء الحقيقي عليه مرتفع”، مشدداً على أن “التصنيف الذي أجراه الموقع البريطاني يقارن سعر الاشتراك الشهري للإنترنت الثابت في 214 دولة. لبنان ظهر بسعر متوسط قدره 14.23 دولاراً شهرياً، مقابل متوسط عالمي يبلغ 57.73 دولاراً.

لذلك يبدو لبنان، على الورق، أرخص بكثير من دول أخرى. لكن المشكلة أن هذا المؤشر لا يقيس سرعة الإنترنت ولا جودته ولا استقراره ولا قدرة المواطن على تحمّل السعر، أي إنه يسأل: كم تدفع؟ ولا يسأل: ماذا تحصل مقابل ما تدفعه؟”.

يضيف: “الاشتراك كان مثلاً مسعّراً بالليرة ثم انهارت قيمتها، ولذلك فإن تحويل السعر إلى الدولار يجعله يبدو منخفضاً جداً. إذاً، انخفاض السعر بالدولار قد يكون نتيجة ضعف العملة وانخفاض القدرة الشرائية، وليس نتيجة نجاح قطاع الاتصالات”، جازماً بأن “المشكلة الأكبر هي السرعة. فإذا دفع المواطن 14 دولاراً مقابل إنترنت سريع جداً فهذا شيء، أما إذا دفع 14 دولاراً مقابل إنترنت بطيء وغير مستقر، فالسعر لا يمكن وصفه بأنه “رخيص” بالمعنى الاقتصادي الحقيقي”.

ويعتبر أن “المعيار الذي يجب استعماله لقياس “رخص الكلفة” هو: كم أدفع مقابل كل وحدة من سرعة الإنترنت؟ وبحسب الأرقام، فإن لبنان يصبح في هذه الحالة من الدول الأغلى وليس الأرخص. وهذا هو التناقض الأساسي، أي أن لبنان رخيص عندما نقيس السعر فقط، وغالٍ جداً عندما نقيس السعر مقابل جودة الخدمة”.

ماذا عن دخل المواطن؟ يجيب المصدر: “هذه ربما أقوى حجة اقتصادية لدحض مقولة إن كلفة الإنترنت في لبنان رخيصة، إذ لا يكفي أن تقول إن الإنترنت يكلف 14 دولاراً، بل يجب أن تسأل: 14 دولاراً بالنسبة إلى ماذا؟ إذا كان راتب شخص في دولة ما 5 آلاف دولار شهرياً، فإن اشتراكاً بقيمة 80 دولاراً قد لا يشكل عبئاً كبيراً. أما إذا كان دخل الفرد في لبنان منخفضاً جداً، فإن 14 دولاراً تصبح نسبة كبيرة من دخله”، مؤكداً أنه “بحسب المعايير الدولية، فإن الاشتراك الأساسي بالإنترنت ينبغي ألا يتجاوز 2 بالمئة من الدخل الشهري للفرد في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. وبحسب الأرقام، فإن الدخل الشهري للفرد في لبنان هو 297 دولاراً، أي إنه لا يجب أن تتعدى كلفة الإنترنت 5.9 دولارات. وعندها يصبح رقم 14.23 دولاراً، أي أن الاشتراك يمثل 4.8 بالمئة من الدخل الشهري، أكثر من ضعفي المستوى الذي يعتبره المعيار الدولي مقبولاً للقدرة على تحمّل الكلفة”.

وبناءً على هذه الأرقام، يعتبر المصدر أن “عبارة “الإنترنت رخيص في لبنان” موضع شك كبير. المشكلة ليست فقط في سرعة الإنترنت، بل في طريقة إدارة القطاع. ولذلك يجب إيجاد حلول للشبكات غير الشرعية التي يقول إن لديها نحو مليون مشترك من أصل 1.4 مليون. وهذا يعني، إذا صحت هذه التقديرات، أن الجزء الأكبر من السوق لا يعمل ضمن الإطار الرسمي”، مذكّراً بأن “لبنان ما زال يعتمد على قانون اتصالات قديم نسبياً، في حين أن التكنولوجيا والسوق تغيّرا جذرياً. لذلك فإن إنشاء “لبنان تيليكوم” أو توسيع الألياف الضوئية لا يكفي وحده، لأن الإصلاح الحقيقي يحتاج أيضاً إلى تنظيم السوق، ومعالجة الشبكات غير الشرعية، وخلق منافسة حقيقية، وحوكمة أفضل، وبنية تحتية حديثة لتحسين السرعة، والاستقرار الاقتصادي الذي يجعل السعر متناسباً مع دخل المواطن”.

ويختم: “ومن المفيد التذكير بأن التصنيف يعتمد حصراً على السعر الشهري المعلن لاشتراكات الإنترنت الثابت، مستبعداً الإنترنت الخلوي والعروض الترويجية ورسوم التركيب. بمعنى آخر، هو يجيب عن سؤال واحد: كم يكلّف الاشتراك؟ ولا يجيب عن الأسئلة التي تحدّد قيمة هذا الاشتراك فعلياً: ما السرعة؟ ما مدى الاستقرار؟ هل الشبكة تغطي كل الأراضي؟ وهل يشكّل السعر عبئاً على دخل الأسرة أم لا؟”.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version