بعد أكثر من عقدين على تنفيذ آخر حكم بالإعدام في لبنان، طوى مجلس النواب، أمس الثلاثاء، صفحة هذه العقوبة نهائياً، بإقراره قانون إلغاء عقوبة الإعدام واستبدال الأحكام القائمة بها بعقوبة السجن المؤبد، في خطوة تشريعية تنقل البلاد من مرحلة وقف التنفيذ الفعلي إلى الإلغاء القانوني للعقوبة.

وجاء القرار بأكثرية نيابية، وبموجبه تحلّ عقوبة السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة المشددة محل الإعدام في الجرائم التي كانت تستوجب هذه العقوبة، ومن بينها القتل والخيانة.

ووصف وزير العدل عادل نصار الخطوة بأنها “تاريخية”، فيما رحبت بها منظمات حقوقية دولية بالأمر، لكن إلغاء العقوبة رسمياً في عام 2026 يعيد إلى الذاكرة صباحاً شتوياً من عام 2004، عندما شهد لبنان آخر عمليات إعدام نفذتها الدولة، قبل أن يدخل في وقف فعلي للتنفيذ استمر أكثر من 22 عاماً.

يوم 17 كانون الثاني 2004، نُفذت في سجن رومية أحكام الإعدام بحق ثلاثة محكومين هم أحمد علي منصور، بديع وليد حمادة وريمي أنطوان زعتر، لتصبح تلك الأحكام آخر عمليات إعدام رسمية تنفذ في لبنان حتى إقرار الإلغاء النهائي للعقوبة عام 2026.

وكان رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود قد وقّع في 14 كانون الثاني المراسيم النهائية لتنفيذ الأحكام، وحدد التنفيذ قبل فجر السبت في 17 كانون الثاني. وبحسب منظمة العفو الدولية، قضى الحكم بأن يُعدم أحمد علي منصور شنقاً، فيما يُعدم بديع حمادة وريمي زعتر رمياً بالرصاص.

وشكل تنفيذ الأحكام الثلاثة حدثاً استثنائياً آنذاك، إذ كانت الأولى التي تنفذ في لبنان منذ تولي لحود رئاسة الجمهورية في 24 تشرين الثاني 1998. وبعد ذلك اليوم، لم تنفذ الدولة اللبنانية أي حكم إعدام جديد، على الرغم من استمرار المحاكم طوال السنوات اللاحقة في إصدار أحكام بهذه العقوبة.

وهكذا، تحول 17 كانون الثاني 2004، من دون قرار رسمي في ذلك الحين، إلى نقطة فاصلة في تاريخ العقوبة في لبنان: أحكام الإعدام بقيت موجودة في النصوص القانونية، ومحكومون ظلوا على لوائح الإعدام، لكن التنفيذ توقف عملياً.

إعدامات رومية عام 1997

ولم تكن إعدامات عام 2004 الأولى التي يشهدها سجن رومية، ففي 24 آذار 1997، نُفذ حكم الإعدام شنقاً في السجن بحق منير صلاح عبود وخالد محمد حامد وأحمد منذر القاسم، بعد إدانتهم في قضية اغتيال الشيخ نزار الحلبي في آب 1995. أما أحمد عبد

الكريم السعدي المعروف بـ”أبو محجن”، فكان قد حُكم عليه بالإعدام غيابياً وبقي فاراً في ذلك الوقت.

وتكشف أرقام منظمة العفو الدولية أن عام 1997 كان من السنوات البارزة في سجل تنفيذ العقوبة، إذ سجل تنفيذ خمسة أحكام إعدام خلال ذلك العام، في مقابل صدور ما لا يقل عن 17 حكماً بالإعدام.

أما أحد أكثر مشاهد الإعدام إثارة للجدل في تاريخ لبنان الحديث، فوقع في 19 أيار 1998. فعند الخامسة فجراً من ذلك اليوم، أُعدم حسن ندى أبو جبل ووسام نايف عيسى شنقاً بصورة علنية في الساحة الرئيسية في طبرجا، ووثقت منظمة العفو الدولية وجود عشرات الناشطين الحقوقيين والمعارضين لعقوبة الإعدام في المكان للاحتجاج على تنفيذ الحكم.

واكتسبت الواقعة أهمية خاصة بسبب تنفيذ الحكم في مكان عام، ما جعلها واحدة من أبرز المحطات التي رافقت النقاش اللبناني بشأن عقوبة الإعدام وأساليب تنفيذها.

العقوبة في سنوات ما بعد الحرب

وخلال السنوات الأولى التي أعقبت انتهاء الحرب الأهلية، شهد لبنان سلسلة من أحكام الإعدام وتنفيذ عدد منها، وتفيد تقارير منظمة العفو الدولية بأن أربعة أشخاص أُعدموا خلال عام 1994، فيما صدرت أحكام أخرى بالإعدام في الفترة نفسها.

وبذلك، لم تكن العقوبة خلال التسعينيات مجرد مادة قانونية غير مطبقة، بل كانت جزءاً فعلياً من السياسة العقابية للدولة، قبل أن يتراجع تنفيذها تدريجياً وصولاً إلى إعدامات كانون الثاني 2004.

ومنذ إعدام منصور وحمادة وزعتر، دخل لبنان عملياً في مرحلة “وقف تنفيذ” غير معلنة لعقوبة الإعدام. لم تُلغَ النصوص التي تجيزها، واستمرت المحاكم في إصدار أحكام إعدام، إلا أن عشرات الأحكام بقيت معلقة أو جرى تخفيفها، ولم يُنفذ أي منها.

هذا الواقع جعل لبنان طوال أكثر من عقدين بلداً يحتفظ بعقوبة الإعدام قانونياً لكنه لا يطبقها فعلياً، وبقي الفارق قائماً بين “وقف التنفيذ” و”الإلغاء” إلى أن حسم مجلس النواب المسألة في جلسته في 11 آب 2026.

ومع التصويت النيابي، انتقل لبنان من وقف فعلي بدأ مع آخر ثلاثة إعدامات في رومية عام 2004 إلى إلغاء تشريعي للعقوبة نفسها، لتنتهي بذلك صفحة امتدت عقوداً وشهدت الإعدام شنقاً ورمياً بالرصاص، داخل السجون وفي الساحات العامة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version