أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إلغاء أكثر من 175 ألف تأشيرة لمواطنين أجانب في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، في واحدة من أوسع حملات مراجعة التأشيرات التي تنفذها واشنطن، وسط تشديد متزايد على المخالفات الجنائية والهجرة والأمن القومي وحتى بعض الأنشطة والمواقف التي تعتبرها الإدارة تهديداً للمصالح الأميركية.

وقالت الخارجية الأميركية إن قرارات الإلغاء شملت أجانب خالفوا شروط تأشيراتهم، أو ارتكبوا جرائم، أو دعوا إلى العنف ضد مواطنين أميركيين، أو احتالوا على أميركيين، أو أساؤوا استخدام نظام الهجرة، أو اعتُبروا خطراً على الأمن القومي للولايات المتحدة.

وأوضحت الوزارة أن غالبية عمليات إلغاء التأشيرات جاءت عقب احتكاك أصحابها بسلطات إنفاذ القانون، فيما تصدرت الاعتداءات والقيادة تحت تأثير الكحول أو المخدرات والسرقة وجرائم المخدرات قائمة الأسباب التي أدت إلى سحب التأشيرات.

وشملت الحالات التي أبرزتها الوزارة أشخاصاً يواجهون اتهامات بجرائم خطيرة، بينها الاغتصاب والاعتداء الجنسي والخطف والاتجار بالبشر، إضافة إلى قضايا مرتبطة بمواد الاستغلال الجنسي للأطفال، في وقت وسعت فيه واشنطن عملية التدقيق بحيث لا تقتصر على مرحلة تقديم طلب التأشيرة، بل تستمر بعد منحها أيضاً.

ويعكس الرقم الجديد تسارعاً واضحاً في وتيرة الإلغاءات، إذ كانت الخارجية الأميركية قد أعلنت في كانون الثاني 2026 أنها ألغت أكثر من 100 ألف تأشيرة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بينها نحو 8 آلاف تأشيرة طلاب ونحو 2500 تأشيرة متخصصة لأشخاص كانت لديهم احتكاكات مع أجهزة إنفاذ القانون. وكانت أبرز أسباب الإلغاء في حينه تجاوز مدة الإقامة، والقيادة تحت تأثير الكحول، والاعتداء والسرقة.

كما أنشأت الخارجية مركزاً للتدقيق المستمر يهدف، وفق الوزارة، إلى متابعة حاملي التأشيرات الموجودين داخل الولايات المتحدة والتأكد من استمرار التزامهم بالقوانين والشروط التي مُنحت التأشيرة على أساسها، مع إمكان سحبها سريعاً إذا اعتُبر حاملها خطراً على المواطنين أو الأمن العام.

ولم تعد المراجعات الأمنية تقتصر على السجلات الجنائية وحدها، إذ وسعت إدارة ترامب خلال الفترة الماضية عملية فحص الحضور الإلكتروني لمقدمي طلبات التأشيرات. وأعلنت الخارجية أن مراجعة النشاط على الإنترنت أصبحت مطلوبة لمتقدمي عدد من الفئات، بينها تأشيرات الطلاب والتبادل، إضافة إلى فئات العمل من نوع “إتش 1 بي” والمعالين منهم، وطُلب من هؤلاء جعل حساباتهم على مواقع التواصل متاحة للعامة خلال عملية التدقيق.

وتقول الخارجية الأميركية إن كل قرار يتعلق بالتأشيرة يُعامل باعتباره قراراً ذا صلة بالأمن القومي، وإن حصول الأجنبي على تأشيرة أميركية هو “امتياز وليس حقاً”، وهو الشعار الذي باتت الإدارة تستخدمه في تبرير التوسع في مراجعة التأشيرات وإلغائها.

وبرز ضمن الملفات التي كشفت عنها الخارجية ما يُعرف بـ”سياحة الولادة”، إذ ألغت سفارة أميركية في شمال أفريقيا أكثر من 100 تأشيرة لآباء وأمهات قالت الوزارة إنهم دخلوا الولايات المتحدة وكان هدفهم الأساسي إنجاب أطفالهم على الأراضي الأميركية للحصول على الجنسية.

ويأتي ذلك بعد أيام فقط من توقيع ترامب في 6 آب 2026 أمرين تنفيذيين جديدين يستهدفان تشديد الإجراءات المتعلقة بـ”سياحة الولادة” وقواعد الحصول على الجنسية بالولادة، إذ كلف أحد القرارين وزيري الخارجية والأمن الداخلي باتخاذ إجراءات لوقف استخدام الدخول المؤقت إلى الولايات المتحدة بهدف الإنجاب والحصول على الجنسية للأطفال.

ويضع البيت الأبيض مكافحة “سياحة الولادة” ضمن سياسة أوسع تقول الإدارة إنها تهدف إلى منع إساءة استخدام نظام الهجرة والجنسية، في حين يشكل ملف المواطنة بالولادة نفسه موضوعاً قانونياً وسياسياً شديد الحساسية داخل الولايات المتحدة.

كما شملت حملة إلغاء التأشيرات عدداً من الأجانب الذين قالت الخارجية الأميركية إنهم “احتفلوا” باغتيال الناشط المحافظ تشارلي كيرك، في مؤشر إلى أن واشنطن باتت تستخدم صلاحيات التأشيرات أيضاً في قضايا تتصل بمواقف علنية تعتبرها تحريضاً أو تأييداً للعنف.

ووسعت إدارة ترامب التدقيق كذلك إلى قضايا مرتبطة مباشرة بالسياسة الخارجية، إذ سبق لمسؤولين أميركيين أن أكدوا إمكان سحب التأشيرة أو اتخاذ إجراءات ترحيل بحق أجانب إذا اعتُبرت أنشطتهم أو مواقفهم متعارضة مع اعتبارات السياسة الخارجية أو الأمن القومي الأميركي.

وبحسب ما أعلنته الخارجية في الحالات الأخيرة، شملت الإجراءات أيضاً مواطنين إيرانيين قالت واشنطن إن لديهم صلات بالنظام الإيراني، في وقت بات فيه الملف الإيراني يحتل مساحة واسعة من أولويات الأمن القومي الأميركي في ظل المواجهة والتوتر المستمر بين واشنطن وطهران.

وتندرج حملة إلغاء التأشيرات ضمن توجه أوسع تبنته إدارة ترامب منذ عودتها إلى الحكم، يقوم على توسيع التدقيق في طلبات الدخول، وتشديد مراقبة حاملي التأشيرات بعد وصولهم إلى الأراضي الأميركية، وربط ملفات الهجرة بصورة أكبر بقضايا الأمن القومي والجريمة والسياسة الخارجية. وأظهرت الأرقام أن عدد التأشيرات الملغاة ارتفع من أكثر من 100 ألف في كانون الثاني إلى أكثر من 175 ألفاً بحلول آب 2026.

وفي المقابل، أثارت سياسة التدقيق في مواقع التواصل وإلغاء التأشيرات على خلفية بعض المواقف السياسية انتقادات من منظمات حقوقية وخبراء، اعتبروا أنها قد تمس بحرية التعبير وتفتح المجال أمام استخدام واسع للسلطات التنفيذية في التعامل مع الأجانب، بينما تتمسك إدارة ترامب بأن الإجراءات ضرورية لحماية الأميركيين ومنع من تعتبرهم خطراً من دخول البلاد أو البقاء فيها.

وبذلك، لا يمثل رقم 175 ألف تأشيرة مجرد حصيلة إدارية، بل يعكس تحولاً في فلسفة التعامل الأميركي مع التأشيرة نفسها، إذ باتت المراجعة مستمرة حتى بعد إصدارها، وأصبحت المخالفات الجنائية ونشاطات الإنترنت وملفات الهجرة والأمن القومي والسياسة الخارجية جميعها عناصر يمكن أن تعيد فتح ملف حامل التأشيرة وتؤدي في النهاية إلى سحبها.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version