كشف مسؤول أميركي أن الجولة المقبلة من المباحثات بين لبنان وإسرائيل يُفترض أن تُعقد مطلع أيلول المقبل، في مؤشر إلى أن واشنطن لا تزال تعمل على إبقاء المسار التفاوضي قائماً رغم التوترات الميدانية والخلافات التي برزت بعد انتهاء الجولة السابعة في روما من دون التوصل إلى اتفاق حول المنطقة التالية التي يفترض أن تنسحب منها إسرائيل.
وقال المسؤول لـ”العربية إنجليزي” إن الولايات المتحدة متفائلة بمسار المفاوضات، على الرغم من إدراكها حجم الصعوبات التي تواجهه، مؤكداً أن الجولة الجديدة من المباحثات مقررة مطلع أيلول.
وأوضح أن الوفدين اللبناني والإسرائيلي ناقشا خلال المباحثات السابقة إمكان إسناد مهام إزالة الألغام إلى طرف ثالث، ضمن البحث في الترتيبات الأمنية والتقنية المطلوبة في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، على أن تنتشر فيها وحدات من الجيش اللبناني.
وكشف المسؤول أيضاً أن الولايات المتحدة أجرت مباحثات منفصلة مع الوفد اللبناني بشأن ملف إعادة الإعمار، مشدداً على أن هذا الملف جرى بحثه بصورة منفصلة عن المباحثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.
وفي المقابل، اتهم المسؤول الأميركي حزب الله بمحاولة عرقلة مسار المباحثات، في موقف يعكس استمرار التباين الحاد بين واشنطن والحزب بشأن المسار التفاوضي ومستقبل السلاح في لبنان. ويبقى هذا الاتهام موقفاً أميركياً، في وقت يرفض حزب الله المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ويتمسك بموقفه الرافض للتخلي عن سلاحه في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية.
وتأتي التصريحات الأميركية بعدما أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن تحديد موعد الجولة المقبلة أُرجئ على خلفية تصاعد التوتر بين الجانبين، مشيرة إلى أن لبنان لا يرغب بعقد جولة جديدة في المدى القريب بسبب عدم إحراز تقدم في ملف توسيع المناطق التي تنسحب منها إسرائيل.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، قدمت تل أبيب بدورها احتجاجاً إلى الولايات المتحدة بشأن تحركات للجيش اللبناني، مدعية أن بعض أنشطته تتم بالتنسيق مع حزب الله، وهي اتهامات تأتي في قلب الخلاف بشأن آليات التحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية في الجنوب.
إلا أن الحديث عن تعثر المسار لا يعني، حتى الآن، توقفه. فقد أكد وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، في اتصال أجراه في 10 آب مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، حرص لبنان على استكمال المفاوضات مع إسرائيل “بما يصون سيادته ويحفظ حقوقه”، ما يعكس استمرار الغطاء الرسمي اللبناني للمسار رغم الاعتراض على بعض نتائج الجولة الأخيرة.
كما شدد عبد العاطي على أهمية مواصلة المفاوضات والبناء على ما تحقق خلالها، وصولاً إلى نتائج تؤدي إلى استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، مؤكداً دعم مصر لسيادة لبنان ومؤسساته وللدور الذي يقوم به الجيش اللبناني.
وكان لبنان وإسرائيل قد اختتما في 6 آب الجولة السابعة من المباحثات التي استضافتها السفارة الأميركية في روما، في إطار الجهود التي تقودها واشنطن لتنفيذ “اتفاق الإطار” الذي تم التوصل إليه في 26 حزيران. ووصفت الخارجية الأميركية المباحثات في روما بأنها “منتجة” على المستويين التقني ومستوى الخبراء.
ويقوم الاتفاق على مسار تدريجي يربط انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق في جنوب لبنان بانتشار الجيش اللبناني وتطبيق ترتيبات أمنية تتصل بحصر السلاح والتحقق من تنفيذها، ضمن ما عُرف بمشروع “المناطق النموذجية”.
وكانت زوطر الغربية قد شكلت أول اختبار عملي لهذا المسار، بعدما انسحبت القوات الإسرائيلية منها وبدأ الجيش اللبناني الانتشار في البلدة، في خطوة اعتُبرت نموذجاً لما تريد واشنطن تكراره في مناطق أخرى جنوباً. إلا أن لبنان بقي متمسكاً بأن تؤدي العملية تدريجياً إلى انسحاب إسرائيلي كامل، وليس إلى تثبيت منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية.
لكن الجولة السابعة في روما اصطدمت بعقدة تحديد المنطقة التالية للانسحاب. وبحسب معلومات نقلتها “رويترز”، طرح الجانب اللبناني بنت جبيل والخيام باعتبارهما منطقتين أساسيتين للمرحلة المقبلة، إلا أن المباحثات لم تؤدِ إلى اتفاق بشأن أي منهما.
وتكتسب هذه النقطة أهمية كبيرة بالنسبة إلى بيروت، لأن الانتقال إلى منطقة ثانية يشكل، من وجهة النظر اللبنانية، الاختبار الحقيقي لمدى استعداد إسرائيل لتنفيذ الانسحاب بصورة متدرجة، فيما تخشى الدولة اللبنانية أن يتحول نجاح التجربة الأولى إلى خطوة معزولة من دون استكمال المسار.
وفي المقابل، تربط إسرائيل استمرار انسحابها بإحراز تقدم على صعيد نزع سلاح حزب الله وبضمانات أمنية تحول، وفق موقفها، دون عودة أي بنية عسكرية إلى المناطق التي تخليها قواتها. ولا تزال القوات الإسرائيلية موجودة في شريط داخل جنوب لبنان تصفه إسرائيل بأنه منطقة أمنية ضرورية لحماية شمالها، فيما يرفض لبنان بقاء هذا الواقع ويطالب بالانسحاب الكامل من أراضيه.
ومن أبرز النتائج التي خرجت بها اجتماعات روما اتفاق لبنان وإسرائيل على وضع لائحة مختصرة بدول يمكن أن تشارك في عملية التحقق من تنفيذ ترتيبات نزع السلاح، على أن تختار الولايات المتحدة من بين الأسماء المطروحة. ورفض لبنان اقتراحاً سابقاً بإسناد المهمة إلى شركات أمنية خاصة، متمسكاً بأن تكون الجهات التي تشارك في عملية التحقق دولاً.
ولا تزال آلية عمل هذه القوة المحتملة غير محسومة، إذ يدور البحث حول عدد عناصرها، وطبيعة انتشارها، وعلاقتها بالجيش اللبناني، والإطار القانوني الذي سيحكم وجودها، سواء من خلال الأمم المتحدة أو صيغة أخرى يتم التوافق عليها.
وتضاف إلى هذه المسائل الآن قضية إزالة الألغام، التي كشف المسؤول الأميركي أنها نوقشت بين الجانبين مع طرح إمكان تولي طرف ثالث المهمة، وهي مسألة تقنية لكنها شديدة الأهمية، لأن إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة تشكل شرطاً أساسياً قبل انتشار الجيش وعودة السكان إلى المناطق التي تشهد انسحاباً إسرائيلياً.
كما يبرز للمرة الأولى بصورة أوضح مسار موازٍ يتعلق بإعادة الإعمار. فإعلان المسؤول الأميركي أن واشنطن بحثت هذا الملف منفردة مع الوفد اللبناني يشير إلى محاولة الفصل بين التفاوض الأمني المباشر مع إسرائيل وبين الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية اللبنانية الناتجة عن الدمار الذي أصاب مناطق واسعة في الجنوب.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه السلطات اللبنانية أن إعادة السكان إلى بلداتهم لا تتطلب الانسحاب ووقف العمليات العسكرية فحسب، بل أيضاً إعادة فتح الطرق وإزالة الركام والذخائر غير المنفجرة وإعادة الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية وإطلاق ورشة لإعمار المنازل والبنى التحتية.
وكان التوتر الميداني قد انعكس مباشرة على الجولة السابعة، إذ قُتل جنديان إسرائيليان في انفجار داخل مبنى في جنوب لبنان أثناء انعقاد محادثات روما، قبل أن تشن إسرائيل غارات على مناطق لبنانية. ولم يحسم الجيش الإسرائيلي لاحقاً توقيت زرع العبوة التي تسببت بالانفجار، فيما جاء التصعيد ليضيف ضغوطاً جديدة على المفاوضات.
وعلى الرغم من ذلك، واصلت واشنطن اتصالاتها، مؤكدة التزامها دعم الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية للمضي في العملية التي تهدف، وفق الخارجية الأميركية، إلى تحقيق أمن دائم واستعادة سلطة الدولة اللبنانية في الجنوب.
وبذلك، تبدو جولة مطلع أيلول، في حال انعقادها، أكثر حساسية من سابقاتها، إذ لن يكون المطلوب منها مجرد استمرار الحوار، بل الإجابة عن مجموعة من العقد التي بقيت مفتوحة بعد روما: أين سيكون الانسحاب الإسرائيلي التالي؟ من سيتولى التحقق من الترتيبات الأمنية؟ كيف ستتم إزالة الألغام؟ وما العلاقة بين خطوات الانسحاب وإعادة الإعمار وعودة السكان؟
وبين التفاؤل الذي تبديه واشنطن والتريث الذي أظهره لبنان بعد الجولة الأخيرة، يتحول موعد مطلع أيلول إلى محطة أساسية لاختبار ما إذا كان “اتفاق الإطار” قادراً على الانتقال من مرحلة التفاهمات التقنية إلى انسحابات إضافية على الأرض، أم أن الخلاف حول المنطقة التالية وآليات التحقق سيبقي المفاوضات عالقة عند حدود زوطر الغربية.

