لم تكد تايلاند تستوعب صدمة إطلاق النار الجماعي الذي نفذه فتى في الـ14 من عمره داخل مدرسة وأسفر عن استشهاد 8 أشخاص بينهم جداه، حتى اهتزت البلاد مجدداً على وقع جريمة سياسية صادمة، بعدما أطلق نائب سابق النار على مسؤول محلي بارز في مقاطعة نونثابوري قرب بانكوك، فأرداه قتيلاً، في حادثة أعادت ملف انتشار السلاح والقوانين المتساهلة إلى الواجهة بقوة.
وبحسب تقرير لموقع “واي نت” الإسرائيلي ووكالات الأنباء، وقعت الجريمة الجديدة بعد 3 أيام فقط من حادثة إطلاق النار الجماعي في المقاطعة نفسها، إلا أن السلطات أكدت عدم وجود أي صلة بين الحادثتين.
وتقول التحقيقات إن جريمة اليوم تعود إلى خلاف مالي بين المشتبه به، النائب السابق تشالونغ ريوارانغ، ورئيس مقاطعة نونثابوري تونغتشاي ينبرسيرت، فيما يُتوقع أن تزيد الحادثة الضغوط على حكومة بانكوك لتشديد قوانين حيازة السلاح في بلد يسجل أحد أعلى معدلات حوادث إطلاق النار في جنوب شرق آسيا.
ووقع إطلاق النار قرابة الساعة 11:00 صباحاً بالتوقيت المحلي خارج مكاتب إدارة المقاطعة التي كان يرأسها تونغتشاي، بينما كان الأخير داخل سيارته.
وأصيب تونغتشاي بعدة رصاصات في الرأس والرقبة، قبل أن يفارق الحياة متأثراً بجروحه في المستشفى، فيما أصيب سائقه برصاصة في يده، ووُصفت حالته بالمستقرة.
وأظهر تسجيل نشرته وسائل الإعلام التايلاندية، ويُعتقد أنه التُقط بواسطة كاميرا مراقبة، لحظات الجريمة بالتفصيل.
ويظهر تشالونغ وهو يخرج من أحد المباني متوجهاً نحو السيارة التي كان يجلس فيها تونغتشاي، بينما يخفي خلف ظهره اليد التي يحمل فيها مسدساً.
وانحنى بداية للتحدث إلى الراكب الجالس إلى جانب السائق، إلا أنه عندما بدأت السيارة بالتحرك رفع المسدس ووجهه نحو الراكب، الذي أخرج يده من النافذة، ربما في محاولة لدفع المسلح بعيداً.
وتراجع تشالونغ قليلاً، لكنه واصل تبادل الكلام مع الراكب، قبل أن يفتح النار بعد ثوانٍ، بينما فتح السائق، الذي كان يجلس في الجهة اليمنى، الباب وفرّ من السيارة.
وبعد إطلاق النار، أوقفت السلطات تشالونغ، إلا أن تقارير إعلامية أشارت إلى أنه تمكن فور وقوع الجريمة من الاتصال بالمحللة السياسية المحلية أنشالي بايريراك، التي كانت في تلك اللحظة تقدم بثاً مباشراً عبر قناتها على “يوتيوب”، واعترف أمامها بما فعله.
وظهرت أنشالي خلال البث وهي تجيب عن الاتصال الهاتفي، ومن دون أن يسمع المشاهدون ما قيل لها، بدت في حالة صدمة وهي تقول: “لقد مات؟! لقد مات؟! أطلقت النار على رأسه؟! عليك أن تنتظر الشرطة. لا تذهب إلى أي مكان!”.
وفي مركز الشرطة، وبعد أن خضع للتحقيق واعترف أيضاً أمام المحققين، سُمح لتشالونغ بالتحدث إلى الصحافيين، كما سُمح له بالتدخين خلال التحقيق.
وأبدى اعتذاره علناً عما جرى، لكنه ادعى أنه لم يكن ينوي قتل تونغتشاي، وقال: “أنا آسف، لم أكن أنوي إطلاق النار”.
وأوضح أن الخلاف بينهما يعود إلى قرض كان قد منحه لتونغتشاي ولم تتم إعادته، وأنه حاول صباحاً التحدث معه، إلا أن تونغتشاي، بحسب روايته، غضب منه.
وقال: “قلت له أن يتحمل مسؤولية الأمر. إذا لم يكن لديك المال الآن، يمكنك دفعه على دفعات لأولادي. قلت له إنني أمر بضائقة. دفعني وقال لي: لا أريد التحدث، لا أريد التحدث”.
وأضاف تشالونغ أنه، بعد المواجهة الأولى، لحق بسيارة تونغتشاي، قائلاً: “عندما أخرجت المسدس، لم أكن أنوي إطلاق النار عليه، لكن سائقه أخرج مسدسه ووجهه نحوي، لذلك أطلقت النار”.
وتابع معتذراً: “أريد أن أعتذر من أهالي نونثابوري. لم تكن لدي أي نية. كنا صديقين واعتقدت أننا نستطيع التحدث، لكنه لم يوافق على الحديث معي”.
وكان تونغتشاي، البالغ 71 عاماً، شخصية بارزة جداً في السياسة المحلية، وانتُخب منذ عام 2004 مرات عدة لرئاسة الهيئة المسؤولة عن الإدارة المحلية في مقاطعة نونثابوري.
وقبل دخوله العمل السياسي المحلي، خدم لسنوات طويلة ضابطاً كبيراً في الشرطة.
أما تشالونغ، وهو أيضاً في الـ71 من عمره، فهو نائب سابق اشتهر في تايلاند بلقب “الكوبرا”، وهو وصف يُطلق على أعضاء البرلمان الذين يتمردون على الانضباط الحزبي داخل المجلس.
وجاء اللقب بعدما دعم عام 1997 مرشحاً لرئاسة الحكومة ينتمي إلى حزب مختلف عن حزبه.
وبحسب شبكة “بي بي سي”، خاض تشالونغ عام 2020 الانتخابات على المنصب نفسه الذي كان يشغله تونغتشاي في رئاسة الإدارة المحلية لنونثابوري، لكنه خسر أمامه.
وتكتسب الجريمة حساسية إضافية لأنها وقعت بعد 3 أيام فقط من حادثة إطلاق النار الجماعي التي شهدتها المقاطعة نفسها يوم الجمعة الماضي.
وفي تلك الحادثة، أقدم فتى يبلغ 14 عاماً على قتل جده وجدته داخل منزل العائلة، قبل أن يتوجه إلى مدرسته “ديبسيرين نونثابوري” ويفتح النار هناك.
وقتل الفتى 6 أشخاص إضافيين داخل المدرسة، بينهم 5 معلمين وموظفين، إضافة إلى طفلة تبلغ 12 عاماً توفيت لاحقاً متأثرة بجروحها في المستشفى.
وبعد تنفيذ الهجوم، أنهى الفتى حياته بإطلاق النار على نفسه.
وتزامنت جريمة قتل تونغتشاي صباحاً مع عودة التلامذة إلى المدرسة التي شهدت المجزرة، حيث أُخضعوا لتفتيش أمني عند بوابات المجمع في محاولة لتعزيز شعورهم وشعور ذويهم بالأمان.
ولا تزال الشرطة تحقق في دوافع المجزرة المدرسية، التي وُصفت بأنها الأكثر دموية في تايلاند منذ عام 2022.
وبحسب الشرطة، تشير المعطيات الأولية إلى أن الفتى كان يعاني مشكلات مختلفة داخل عائلته وفي المدرسة.
وكشف التحقيق أيضاً أنه كان يتابع على شبكات التواصل الاجتماعي محتويات عنيفة، وأنه أبدى اهتماماً كبيراً بالأسلحة خلال العامين الماضيين.
كما تبين أنه أحضر العام الماضي بندقية هوائية إلى المدرسة، قبل أن يصادرها منه أحد المعلمين.
وتأتي الحادثتان في بلد تنتشر فيه الأسلحة على نطاق واسع، إذ تشير التقديرات إلى وجود نحو 10.3 ملايين قطعة سلاح في حوزة المدنيين في تايلاند، أي ما يقارب 15 قطعة سلاح لكل 100 شخص، وهو المعدل الأعلى في جنوب شرق آسيا.
وتشير التقديرات أيضاً إلى تسجيل نحو 3.49 وفيات مرتبطة باستخدام الأسلحة النارية لكل 100 ألف نسمة خلال عام 2023.
ورغم أن هذا المعدل أقل بكثير من نظيره في بعض دول أميركا اللاتينية، فإنه يُعد مرتفعاً على المستوى الآسيوي، ولا تتجاوز تايلاند في جنوب شرق آسيا من هذه الناحية سوى الفيليبين.
ورغم أن حوادث إطلاق النار الجماعي والعشوائي كانت نادرة تاريخياً في تايلاند، فإن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعاً لافتاً في وتيرتها.
ففي تشرين الأول 2022، قتل شرطي سابق 36 شخصاً، بينهم 22 طفلاً قُتلوا طعناً أثناء نومهم داخل مركز لرعاية الأطفال في شمال شرق البلاد.
واستمرت عملية القتل تلك قرابة 3 ساعات، وشملت إطلاق نار وعمليات طعن.
وفي عام 2020، قتل جندي 29 شخصاً خلال عملية إطلاق نار في مدينة ناخون راتشاسيما.
وفي عام 2023، استخدم فتى يبلغ 14 عاماً مسدساً كان مخصصاً أساساً لإطلاق الذخيرة الخلبية، بعدما أدخل تعديلات عليه ليصبح قادراً على إطلاق ذخيرة حية، وقتل شخصين وأصاب 5 آخرين داخل مركز تجاري فاخر في بانكوك.
وفي تموز من العام الماضي، قتل مسلح 5 أشخاص، بينهم حراس أمن وبائع، داخل سوق في بانكوك، قبل أن ينهي حياته.
وأعادت الأحداث الأخيرة المطالب بتشديد قوانين السلاح في تايلاند إلى الواجهة، ولا سيما أن أي شخص يبلغ 20 عاماً يمكنه التقدم للحصول على رخصة سلاح.
كما أن القانون لا يلزمه بالخضوع لفحص خلفية يتعلق بالصحة النفسية من أجل الحصول على الترخيص، ولا يفرض عليه أيضاً الخضوع لتقييمات دورية لاحقة للحفاظ عليه.
وعقب مجزرة نهاية الأسبوع، تعهد رئيس الوزراء التايلاندي أنوتين تشارنفيراكول بتشديد تطبيق القانون ضد كل من يحمل سلاحاً في الأماكن العامة.
وقال إن الشرطة ستقيم حواجز في إطار حملة أمنية تتضمن تشديد الرقابة على حيازة الأسلحة وحملها واستخدامها.
وأضاف أنوتين: “لا يحق لأي شخص حمل السلاح، وخصوصاً في مكان عام”، مشدداً على أن الادعاء بأن السلاح قد يكون ضرورياً أحياناً للدفاع عن النفس لا يشكل مبرراً لذلك.
وبين مجزرة مدرسة نفذها فتى في الـ14 من عمره واغتيال سياسي نفذه نائب سابق بعد أيام قليلة وفي المقاطعة نفسها، تجد تايلاند نفسها أمام أزمة تتجاوز حادثتين منفصلتين، لتعيد إلى الواجهة سؤالاً أكثر اتساعاً حول سهولة الوصول إلى السلاح وقدرة القوانين الحالية على منع جولة جديدة من العنف.

