هناك لحظة في الحروب تتوقف فيها الأسئلة عن كيفية تحقيق النصر، وتبدأ الأسئلة الأصعب: كيف يمكن الخروج من الحرب من دون الاعتراف بالفشل؟ ويبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقترب من هذه اللحظة في المواجهة مع إيران، بعدما تحولت الحرب من أداة لفرض الإرادة الأميركية و إسقاط النظام إلى عبء استراتيجي يضغط على البيت الأبيض من كل الاتجاهات.

فالرهان على أن القوة العسكرية ستؤدي إلى انهيار الإرادة الإيرانية أو فرض استسلام سياسي سريع لم و لن يتحقق . ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة في قدرة الولايات المتحدة على شن الحرب، بل في قدرتها على إنهائها بالشروط التي أعلنتها عند بدايتها.

في واشنطن، تتحدث تقارير إعلامية، من بينها صحيفة واشنطن بوست، عن خلافات داخل الإدارة بشأن إدارة الحرب، وهي تسريبات أثارت غضب ترامب ودفعته إلى التعهد بمحاسبة المسؤولين عنها. وفي الخارج، تبدو صورة المشهد أكثر تعقيداً ، ضغوط على مخزونات بعض الذخائر الدفاعية نتيجة الاستهلاك المرتفع، اضطراب متواصل في أسواق الطاقة، مخاوف من تداعيات أي تعطيل طويل للملاحة في مضيق هرمز، وحلفاء يبدون حذراً من الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة. أما في الداخل الأميركي، فإن اقتراب الانتخابات النصفية يجعل أي حرب طويلة مشروع استنزاف سياسي قبل أن تكون استنزافاً عسكرياً.

أمام هذا الواقع، لم يعد ترامب يملك خيارات مريحة، بل بات يختار بين خسائر متفاوتة الحجم.

الخيار الأول:

هو إعلان نصر سياسي حتى لو لم يتحقق نصر عسكري حاسم. فقد تعلن الإدارة أن أهداف الردع قد تحققت، وأن الرسالة وصلت، وأن الوقت حان لإنهاء العمليات. غير أن هذا السيناريو سيصطدم بسؤال الرأي العام: إذا كانت إيران لا تزال تحتفظ بقدراتها الأساسية، فأين النصر الذي أُعلن؟

الخيار الثاني:

هو العودة إلى التفاوض من موقع يحاول حفظ ماء الوجه، وتقديم أي اتفاق محتمل على أنه نتيجة مباشرة للضغط العسكري. لكن هذا المسار يحمل مفارقة قاسية ، فالحرب التي قيل إنها ستفرض الاستسلام قد تنتهي بالجلوس مجدداً إلى طاولة التفاوض مع الطرف نفسه.

أما الخيار الثالث:

فهو إبقاء الحرب عند مستوى منخفض من التصعيد، بحيث تستمر العقوبات والضربات المحدودة والضغوط السياسية من دون حسم نهائي. إلا أن هذا السيناريو يعني عملياً إدارة أزمة مفتوحة تستنزف الاقتصاد العالمي، وتُبقي الشرق الأوسط على حافة الانفجار، وتفرض على الولايات المتحدة البقاء في حالة استنفار دائم.

ويبقى الخيار الرابع:

وهو الأكثر خطورة، أي توسيع نطاق الحرب أملاً في تغيير قواعد اللعبة بالقوة. لكن هذا الخيار قد يكون أيضاً الأكثر كلفة، لأنه يحمل خطر اتساع رقعة المواجهة و إنتشار الدنار و الضحايا في كل مكان ، وارتفاع أسعار الطاقة، وتعميق الأزمة الاقتصادية العالمية، وزيادة الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، من دون أي ضمان بأن تكون النتائج متناسبة مع حجم المخاطر.

المفارقة الكبرى أن القوة العسكرية الأميركية، على ضخامتها، لم تعد وحدها قادرة على حسم المعادلات السياسية. فالتجارب الممتدة من فيتنام إلى العراق وأفغانستان أظهرت أن امتلاك التفوق العسكري لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على فرض نهاية سياسية بالشروط المطلوبة.

واليوم، يجد ترامب نفسه أمام معادلة قاسية: التراجع سيُفسَّر على أنه إخفاق، والتصعيد قد يفتح أبواب حرب لا يمكن السيطرة عليها، والتفاوض سيُهاجَم باعتباره تنازلاً، والاستمرار في حرب استنزاف سيجعل الاقتصاد الأميركي والعالمي يدفعان ثمناً متصاعداً.

لقد دخلت واشنطن هذه المواجهة وهي تعتقد أنها ستعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، لكنها تجد نفسها الآن أمام واقع مختلف: كل يوم إضافي من الحرب يضيق هامش المناورة، ويرفع الكلفة، ويجعل الخروج أكثر صعوبة.

إن أخطر ما يواجه الرئيس الأميركي اليوم ليس إيران وحدها، بل الحقيقة التي كشفتها هذه الحرب: أن إشعال الحرائق أسهل بكثير من السيطرة عليها، وأن القوة العظمى قد تمتلك القدرة على بدء الحرب، لكنها لا تمتلك دائماً حرية اختيار الطريقة التي تنتهي بها.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version