تتقدّم تركيا بخطوات متسارعة نحو تثبيت حضورها لاعبًا مباشرًا في ملف غزة، بعدما استضافت أنقرة لقاءً بين رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، وخليل الحية الذي اختير أخيرًا لقيادة حركة حماس، في خطوة تعكس استمرار قنوات التواصل الرفيعة بين الطرفين، رغم الاعتراض الإسرائيلي الواضح على أي دور تركي في مستقبل القطاع.
وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع “ماكو” الإسرائيلي، التقى الحية رئيس الاستخبارات التركية في أنقرة، وطالب خلال الاجتماع بممارسة ضغوط على إسرائيل للوفاء بالتزاماتها الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار.
وأعلنت حماس، في بيان رسمي أصدرته ليل الاثنين – الثلاثاء عقب اللقاء، أن الحية، الذي اختير أخيرًا قائدًا جديدًا للحركة، أشاد بدور تركيا في جهود الوساطة مع إسرائيل، وأطلع قالن على آخر التطورات في قطاع غزة والضفة الغربية والسجون الإسرائيلية.
وأضاف البيان أن الحية دعا إلى مواصلة الجهود السياسية من أجل تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال المحادثات المتعلقة بوقف إطلاق النار.
وأشار التقرير الإسرائيلي إلى أن اللقاء لم يتطرق، وفق البيان المنشور، إلى الجزء الذي يُفترض أن تلتزم به حماس ضمن الاتفاق، والمتمثل في نزع سلاحها.
وفي المقابل، أفادت الحركة بأن قالن شدد خلال الاجتماع على دعم تركيا، ودعا إلى الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التطبيق العملي للاتفاقات.
ولم يوضح بيان حماس ما إذا كان اللقاء قد تناول مسائل أمنية إضافية أو خطوات ميدانية مرتبطة بالأوضاع في قطاع غزة.
ويأتي الاجتماع في مرحلة شديدة الحساسية، مع استمرار الجهود الدولية لدفع التفاهمات بين إسرائيل وحماس إلى الأمام، بالتوازي مع العمليات العسكرية والمباحثات المتعلقة بالترتيبات المستقبلية داخل القطاع.
وتحاول تركيا، إلى جانب دول أخرى في المنطقة، تقديم نفسها بوصفها إحدى الدول المؤثرة في التطورات السياسية والإنسانية المرتبطة بغزة، فيما يرى التقرير أنها نجحت في التحول إلى طرف بارز في هذا الملف، على الرغم من الرفض الإسرائيلي لدورها.
وكان موقع “ماكو” قد أفاد سابقًا بأن تركيا تواصل الانخراط في التطورات داخل غزة والتنسيق مع حماس، رغم المعارضة الإسرائيلية.
وتشمل المشاركة التركية، بحسب التقرير، نقل مساعدات وأموال إلى القطاع عبر آليات مختلفة، إضافة إلى استمرار عمل مسؤولين في حماس انطلاقًا من الأراضي التركية.
وتؤكد أنقرة، من جهتها، أنها تقيم علاقات سياسية مع جهات فلسطينية في إطار سياستها الإقليمية، إلا أن اجتماع أعلى مسؤول استخباراتي تركي مع قائد حماس يعكس، وفق التقرير، طبيعة هذه العلاقات والاتجاه الذي تسلكه.
وكانت جهات أمنية إسرائيلية قد تطرقت في السابق إلى وجود قيادات من حماس داخل تركيا، غير أن الحكومة التركية نفت طوال السنوات الماضية الاتهامات الإسرائيلية التي تحدثت عن تقديم دعم عسكري للحركة أو السماح بتنفيذ أنشطة مسلحة انطلاقًا من أراضيها.
ووجّهت إسرائيل مرارًا انتقادات إلى أنقرة على خلفية علاقاتها مع قيادة حماس، ولا سيما بعد أحداث 7 تشرين الأول واستمرار الحرب في قطاع غزة.
ويؤكد عقد اجتماع بهذا المستوى بين قائد حماس ورئيس الاستخبارات التركية بقاء قناة الاتصال المباشرة بين أنقرة وقيادة الحركة، غير أن الأثر العملي للقاء على الاتفاقات المستقبلية أو على مسار العمليات العسكرية لا يزال غير واضح، باستثناء كونه يتعارض مع المصلحة الإسرائيلية، وفق التقرير.
وذهب التقرير إلى اعتبار الجهات المناوئة لإسرائيل التي تحافظ تركيا على علاقات معها بمثابة أطراف تتحول إلى وكلاء لأنقرة في المنطقة.
ولم تصدر حتى الآن أي استجابة رسمية من الحكومة الإسرائيلية على اللقاء، كما لم تعلّق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عليه علنًا.
كذلك، لم تصدر الحكومة التركية بيانًا رسميًا بشأن الاجتماع، باستثناء المواقف المنسوبة إلى قالن في بيان حماس.
وتتكرر في إسرائيل الدعوات إلى فحص حجم التدخل التركي في الساحة الفلسطينية وتأثيره على التطورات داخل غزة، في وقت تعكس فيه التطورات الأخيرة مكانة تركيا باعتبارها واحدة من الجهات الإقليمية المؤثرة، ومحاولتها الحفاظ على قنوات نفوذ مع أطراف معادية لإسرائيل.
بالتوازي، أدانت تركيا وقطر ومصر، أمس الاثنين، إسرائيل على خلفية استئناف الغارات في قطاع غزة، حيث سُجلت أيضًا عمليات اغتيال خلال الأيام الأخيرة، فيما سقط ضحايا من السكان بعدما عمل مسلحون داخل مناطق مدنية.
وجاء في بيان مشترك صادر عن الدول الـ3: “ندين بشدة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة، ولا سيما استهداف المنشآت الصحية والبنى التحتية، وسقوط ضحايا بين المدنيين، من بينهم نساء وأطفال”.
واعتبر البيان أن الوضع يشكل “انتهاكًا صارخًا للقانون الإنساني الدولي”.
وأشار التقرير إلى أن الدول الـ3 تقدّم نفسها على أنها وسيطة في اتفاق وقف إطلاق النار، رغم العلاقات المباشرة التي تربط قطر ومصر، على الأقل، بحماس وجناحها العسكري، وفق الرواية الإسرائيلية الواردة فيه.
وفي سياق متصل، أعلن “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة لن يحصل إلا بعد استكمال نزع سلاح حماس.
وجاء إعلان المجلس عقب اجتماع عقد في القدس بين مديره التنفيذي نيكولاي ملادينوف ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
ووفق بيان المجلس، يشكل نزع سلاح حماس شرطًا لانسحاب قوات الجيش الإسرائيلي إلى ما بعد “الخط الأصفر” داخل قطاع غزة.
وقال المجلس في بيانه: “خلافًا للتقارير غير الدقيقة، نوضح أن انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما بعد الخط الأصفر لن يحدث إلا بعد استكمال نزع السلاح، كما تعهدت حماس أمام الوسطاء”.
وأضاف: “يشمل ذلك الأسلحة الخفيفة والأسلحة الثقيلة والأنفاق على حد سواء”.
وفي منشور أصدره بعد الاجتماع، أكد المجلس أن “الهدف واضح ولا يحتمل الشك: نزع كامل للسلاح في قطاع غزة، والانتقال من حكم بواسطة السلاح إلى إدارة مدنية”.
ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن مصدرين مطلعين على تفاصيل الاجتماع أن ملادينوف ضغط على نتنياهو لوقف الغارات في غزة، إلا أن إسرائيل رفضت حتى الآن القيام بذلك.
من جهتها، أعلنت حماس أنها، إلى جانب فصائل فلسطينية أخرى، لا تزال ملتزمة استكمال المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وأنها تنتظر ردًا رسميًا وواضحًا من ملادينوف والوسطاء.
وبين اللقاء الاستخباراتي في أنقرة، والبيان الثلاثي المناهض للغارات، والشرط الإسرائيلي المدعوم من “مجلس السلام”، تبدو غزة مرة جديدة ساحة تنافس إقليمي، تحاول فيها تركيا توسيع نفوذها، فيما تتمسك إسرائيل بإبعادها وربط أي انسحاب بنزع سلاح حماس بالكامل.
