لم يعد نزع سلاح حزب الله مجرد طرح نظري أو هدف سياسي بعيد، بل تحوّل خلال العام الأخير إلى عنصر مركزي في النقاش حول مستقبل لبنان وأمن المنطقة، وسط انخراط أميركي وعربي وأوروبي غير مسبوق، يقابله سؤال أكثر تعقيدًا: هل يمكن تنفيذ هذا المسار من دون دفع البلاد نحو مواجهة داخلية؟

وبحسب مقال تحليلي للباحث في شؤون الشرق الأوسط، العقيد المتقاعد الدكتور موشيه إلعاد، نشره موقع “N12” الإسرائيلي، تعمل مبادرات تقودها الولايات المتحدة ودول أوروبية وعربية، إضافة إلى تركيا، على بلورة آلية دولية تضمن تفكيك القدرة العسكرية لحزب الله، ومنع إعادة بنائها، وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية.

غير أن هذه الرؤية تطرح مجموعة من الأسئلة الحساسة: هل يمكن نزع سلاح الحزب من دون اندلاع حرب أهلية؟ وهل تستطيع آلية دولية فرض الاتفاق وضمان استمراره؟ وهل تستغل القوى الكبرى هذا المسار لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية؟

ومن المنظور الغربي، يشكّل نزع سلاح حزب الله شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار في لبنان، بعدما عمل الحزب طوال سنوات بوصفه قوة عسكرية مستقلة تمتلك قدرات صاروخية واستخباراتية لا تخضع لمؤسسات الدولة.

وأنتج هذا الواقع، وفق المقال، صيغة “دولة داخل الدولة”، لم تعد فيها الحكومة اللبنانية تحتكر استخدام القوة.

وترى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى أن أي عملية لإعادة الإعمار أو جذب الاستثمارات الدولية أو تحقيق الاستقرار السياسي يجب أن تبدأ بنقل الصلاحية الأمنية بصورة حصرية إلى الدولة اللبنانية.

وبحسب هذه الدول، فإن أي وقف لإطلاق النار سيبقى موقتًا في حال عدم تفكيك الترسانة العسكرية للحزب بصورة كاملة، كما أن الاستثمارات الدولية قد تتحول إلى وسيلة غير مباشرة لإعادة بناء قدراته العسكرية.

وفي هذا السياق، تُطرح أفكار تتعلق بإنشاء مناطق تجريبية، واعتماد آليات دولية للتحقق، ونشر قوات إضافية في جنوب لبنان، فضلًا عن توسيع نطاق الرقابة إلى ما بعد نهر الليطاني ومنطقة البقاع.

ويبرز في المسار الحالي عمق التدخل الأميركي، بمستوى لم يشهده لبنان منذ سنوات طويلة.

فبعدما اقتصر دور واشنطن سابقًا على الوساطة السياسية، ودعم الجيش اللبناني، ومساندة آليات الرقابة التابعة لقوات “اليونيفيل”، باتت اليوم تتولى دورًا أساسيًا في رسم شكل الترتيبات الأمنية.

وتعكس زيارتا قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، الأميرال براد كوبر، والفريق جوزيف كليرفيلد، المسؤول عن آلية تنسيق وقف إطلاق النار ومراقبته، انتقال واشنطن من سياسة الوساطة إلى سياسة المرافقة والرقابة والتحقق الميداني.

ويشير المقال إلى أن هذا المستوى يُعد من أعلى درجات الانخراط العسكري والسياسي الأميركي في لبنان منذ حرب لبنان الثانية.

وتعمل واشنطن على بناء آلية عملياتية تضمن انتشار الجيش اللبناني في الميدان، وتوليه المسؤولية الأمنية الكاملة، ومنع إعادة بناء البنى العسكرية التابعة لحزب الله.

ولا تنظر الولايات المتحدة إلى نزع سلاح الحزب بوصفه هدفًا لبنانيًا فقط، بل تعتبره جزءًا من استراتيجية إقليمية تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني.

إلا أن تنفيذ الخطة يبقى بالغ التعقيد، إذ لا يمثل حزب الله قوة عسكرية فحسب، بل يشكّل أيضًا قوة سياسية واجتماعية أساسية، تستند إلى قاعدة دعم واسعة لدى شرائح من الطائفة الشيعية.

وبالنسبة إلى قيادة الحزب، يمثّل السلاح مصدرًا للشرعية السياسية ورمزًا لـ”المقاومة”، ولذلك ترفض أي مطالبة بنزعه بصورة أحادية، وتؤكد أن البحث في مصيره لا يمكن أن يجري إلا ضمن تسوية شاملة.

ويتمثل الخطر الأكبر في احتمال أن يؤدي نزع السلاح بالقوة إلى صراع داخلي في لبنان، إذ قد يجد الجيش اللبناني نفسه في مواجهة مباشرة مع الحزب، بوصفه القوة الأكثر تسليحًا في البلاد، وهو سيناريو قد يزعزع الاستقرار ويعيد إشعال التوترات الطائفية.

ومن أبرز الأفكار المطروحة في النقاشات الاقتراح التركي القاضي بجمع الصواريخ والأسلحة الاستراتيجية من لبنان ونقلها إلى خارج البلاد.

وفي حال نضوج هذا الاقتراح، فإنه سيعكس رغبة أنقرة في تثبيت موقعها لاعبًا رئيسيًا في صياغة الترتيبات الإقليمية.

إلا أن إسرائيل والدول الغربية ترى أن نقل السلاح إلى إيران لا يشكّل تفكيكًا له، بل مجرد تغيير لموقعه، وهو ما قد يعقّد عمل آليات التحقق ويقوّض الثقة بالعملية.

كما أن احتمال مشاركة تركيا في قوة دولية داخل لبنان قد يؤدي إلى تغيير ميزان القوى الإقليمي، في ظل سعي أنقرة إلى توسيع نفوذها في شرق البحر المتوسط، وهو حضور قد يثير مخاوف لدى إسرائيل.

وتدعم الدول العربية المعتدلة، وفي مقدمها مصر والسعودية، تعزيز سيادة لبنان وتقليص قوة حزب الله، لكنها تفضّل اعتماد مسار تدريجي، خشية أن تقود المواجهة المباشرة إلى حرب أهلية.

في المقابل، يواصل الحزب النظر إلى منظومة الصواريخ والقذائف بوصفها أساسًا للردع في مواجهة إسرائيل، وعنصرًا رئيسيًا في موقعه داخل ما يُعرف بـ”محور المقاومة”.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد يشكّل نزع سلاح حزب الله تحولًا استراتيجيًا، إذ يمكن أن يؤدي نجاح المسار إلى تقليص التهديد الذي يستهدف الجبهة الداخلية، وخفض احتمالات اندلاع حرب واسعة، وفرض واقع جديد على الحدود الشمالية.

غير أن إسرائيل لن تقيس نجاح الاتفاق بعدد التفاهمات الموقّعة، بل بمدى قدرته على منع إعادة بناء القوة العسكرية للحزب على المدى الطويل.

واستنادًا إلى تجارب الماضي، ستواصل إسرائيل المطالبة بقدرات استخباراتية وبحرية تحرك في حال تسجيل انتهاكات كبيرة، إذ لن تكون للآلية الدولية قيمة بالنسبة إليها ما لم تمنع عودة التهديد، بدل الاكتفاء بتوثيقه.

ويعكس الانخراط الأميركي العميق، إلى جانب المبادرات الأوروبية والعربية والتركية، تشكّل رؤية جديدة للأمن الإقليمي تقوم على المسؤولية المشتركة.

وقد يتحول نجاح المسار في لبنان إلى نموذج للتعامل مع جماعات مسلحة أخرى، في حين يمثّل الأمر بالنسبة إلى إيران اختبارًا لقدرتها على الحفاظ على شبكة النفوذ التي بنتها على مدى سنوات.

وفي المحصلة، لا يقتصر السؤال على إمكان جمع السلاح الموجود في حوزة حزب الله، بل يتصل بإمكان تغيير البيئة التي سمحت له بتعزيز قوته.

فلبنان بات ساحة اختبار بين رؤيتين متناقضتين: الأولى تسعى إلى إعادة احتكار القوة العسكرية إلى الدولة، والثانية تعتبر الجماعات المسلحة أداة استراتيجية مشروعة، ما يجعل المعركة حول سلاح الحزب صراعًا يتجاوز الحدود اللبنانية إلى شكل الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version