في خطوة تعكس التحول المتسارع للاتحاد الدولي لكرة القدم نحو منطق الشركات الاستثمارية الكبرى، كشف تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” أن “فيفا” يخطط لبيع حصة تقارب 20% من كيان تجاري جديد تُقدَّر قيمته بنحو 20 مليار دولار، في مسعى من رئيسه جياني إنفانتينو لمضاعفة الاستفادة من النجاح التجاري الذي حققته بطولة كأس العالم الأخيرة، والتي لم تخلُ من الجدل.

وبحسب تقرير للصحافيين صامويل أجيني، وآراش مسعودي، وجوش نوبل في “فايننشال تايمز”، فإن الاتحاد الدولي، الذي يتخذ من سويسرا مقراً له، يعمل مع بنك JPMorgan على جمع ما يصل إلى 4.2 مليار دولار خلال العام الحالي، عبر استقطاب مستثمرين خارجيين إلى الكيان التجاري الجديد الذي يحمل اسم “فيفا فورورد إنتربرايز” (Fifa Forward Enterprise – FFE).

واللافت في هذه الصفقة أن جوشوا كوشنر، المستثمر التكنولوجي وشقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتزوج من ابنته إيفانكا، يتفاوض حالياً على قيادة هذه الصفقة عبر صندوقه الاستثماري “Thrive Eternal”. وهذا التفصيل تحديداً هو ما يمنح القضية بُعداً سياسياً حساساً يتجاوز الجانب الرياضي البحت، نظراً للعلاقة الوثيقة التي بناها إنفانتينو مع ترامب، والتي بلغت ذروتها حين منحه “فيفا” جائزة “السلام” الافتتاحية في كانون الأول الماضي، وهي خطوة اعتبرها منتقدون خرقاً واضحاً لقواعد الحياد السياسي التي يُفترض أن يلتزم بها الاتحاد.

ووفق التقرير، فإن هذه الخطة تأتي كأحدث محاولة لضخ المزيد من الأموال في “فيفا” في ظل قيادة إنفانتينو، الذي حوّل الاتحاد خلال عقد من إدارته إلى ما يشبه “الآلة التجارية الجبارة”. ويسعى الاتحاد إلى استقطاب مستثمرين من فئة “الأقلية طويلة الأمد” ضمن الكيان الجديد، الذي سيضم عملياته التجارية والتنظيمية للفعاليات، فيما يتولى الإشراف على هذه الخطط مافي غريغ، الرئيس السابق لشركة “ليبرتي ميديا”.

في المقابل، جاء الرد الأوروبي حاداً وسريعاً، إذ انتقد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) هذه الخطط بشدة، معتبراً أن كرة القدم “ليست ملكاً لفيفا كي يبيعها”. وأضاف الاتحاد الأوروبي في بيانه: “هذا يتجاوز خطاً لا ينبغي لمؤسسات كرة القدم الحاكمة أن تتخطاه أبداً. يويفا يأخذ هذا الأمر على محمل الجد الشديد”، مشدداً على أن “روح كرة القدم وحوكمتها ليستا أصولاً للمتاجرة، لا سيما في ظل غياب تام للشفافية حول الجهة التي تستفيد مالياً من ذلك”.

وبحسب “فايننشال تايمز”، فإن الأموال التي سيتم جمعها ستُوزَّع على الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 اتحاداً، على شكل دفعة واحدة بقيمة 20 مليون دولار لكل اتحاد. بعد ذلك، سترتفع المدفوعات السنوية لكل اتحاد من 2 مليون دولار حالياً إلى 5 ملايين دولار سنوياً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2027 و2030. وتبقى هذه المقترحات، التي كانت قيد الإعداد منذ عدة أشهر، رهناً بموافقة غالبية الاتحادات الأعضاء

ولم يقتصر الجدل على الجانب المالي فحسب، إذ أثار النهج التجاري المتصاعد الذي اعتمده “فيفا” في بطولة هذا العام، والذي شمل رفع أسعار التذاكر بشكل ملحوظ واقتطاع نسبة من مبيعات السوق الثانوية للتذاكر، استياءً واسعاً من جانب مجموعات المشجعين، إلى جانب تدقيق متزايد من عدة ولايات أميركية.

وفي هذا السياق، وجّه جيمي راسكين، أبرز الديمقراطيين في لجنة القضاء بمجلس النواب الأميركي، رسالة إلى إنفانتينو مطلع الأسبوع، طالبه فيها بالمثول لإجراء مقابلة ضمن تحقيق يتناول العلاقة بين “فيفا” وإدارة ترامب. وصعّد النواب الديمقراطيون هجومهم على الصفقة عبر منصة “إكس”، حيث كتبوا: “فيفا، المؤسسة الفاسدة المفضلة لدى دونالد ترامب في عالم الرياضة، تدخل الآن مباشرة في شراكة تجارية مع عائلة ترامب”، مضيفين بلهجة لاذعة: “على ما يبدو، لم تكن جائزة السلام المزيفة وعقد الإيجار الضخم في برج ترامب كافيين، والآن يؤدي إنفانتينو ما يشبه ‘الهاتريك’ من العمولات المشبوهة عبر متابعته صفقة بمليارات الدولارات مع شقيق جاريد كوشنر لبيع حصص ملكية في كأس العالم لمستثمرين من القطاع الخاص”.

وتزامناً مع أحداث البطولة، أثار قرار لجنة الانضباط في “فيفا” رفع الحظر بشكل أحادي عن اللاعب الأميركي فولارين بالوغون، إثر ضغوط مورست من البيت الأبيض، موجة جدل إضافية، إذ أعلن الاتحاد النرويجي لكرة القدم الأسبوع الماضي أنه يدرس تقديم شكوى أخلاقية رسمية بشأن هذه الواقعة.

ومن الناحية المالية البحتة، من المتوقع أن يحقق “فيفا” ما لا يقل عن 13 مليار دولار كإيرادات خلال دورته الرباعية الحالية، مدعوماً بالنجاح التجاري الكبير الذي حققته بطولة هذا الصيف. وسيُستخدم جزء من هذه الأموال لإعادة تعزيز احتياطيات “فيفا”، التي تراجعت من 3.9 مليار دولار بعد بطولة قطر 2022 إلى 2.7 مليار دولار بحلول كانون الأول 2025.

وقد ساهمت بطولة هذا العام، التي استضافتها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، في رفع إيرادات “فيفا” من 7.6 مليار دولار في الدورة السابقة، فيما يُتوقع أن تحقق الدورة المقبلة، التي ستُختتم ببطولة كأس عالم في إسبانيا والبرتغال والمغرب، ما لا يقل عن 14 مليار دولار.

يُذكر أن إنفانتينو كان قد وسّع نفوذه سابقاً في عالم كرة القدم للأندية عبر إعادة إطلاق بطولة كأس العالم للأندية، وهي خطوة أثارت توتراً مع الهيئات الوطنية والإقليمية التي كانت تُشرف تقليدياً على كرة القدم للأندية.

ويدرس “فيفا” حالياً إمكانية توسيع هذه البطولة وزيادة وتيرة إقامتها لتكون أكثر من مرة كل أربع سنوات. كما يبحث الاتحاد الدولي في توسيع بطولة كأس العالم نفسها من 48 منتخباً إلى 64 منتخباً، بعدما أثار قراره التوسع من 32 إلى 48 منتخباً في بطولة هذا الصيف دعاوى قضائية من بعض الدوريات الأوروبية، التي تشتكي من أن الاتحاد الدولي يدفع بجدول مباريات مكتظ أصلاً نحو نقطة الانهيار.

وهكذا يبدو أن كأس العالم، الذي طالما اعتُبر أكبر احتفال جماهيري بكرة القدم، بات اليوم في قلب معادلة مالية وسياسية معقدة، تتقاطع فيها مصالح المستثمرين مع نفوذ العائلات السياسية الكبرى، في مشهد يعيد طرح السؤال الأزلي: إلى أي مدى ما زالت كرة القدم رياضة الشعوب، لا سلعة تُدار بمنطق البورصات؟

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version