لم يخسر “حزب الله” المطار فقط. ولم يكن سقوط نظام بشار الأسد الضربة الوحيدة التي تلقاها. ففي أقل من عام، بدأت تتساقط تباعًا الشرايين التي اعتمد عليها الحزب طوال عقود لنقل السلاح والأموال والذهب والبضائع، فيما ضاقت المساحة أمام الشبكات التي كانت تؤمّن له التمويل والحماية داخل لبنان وخارجه.
ويكشف مصدر أمني لـ”ليبانون ديبايت” أن ما يجري ليس سلسلة إجراءات منفصلة، بل مسار متكامل بدأ منذ انتخاب رئيس الجمهورية جوزاف عون وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، هدفه إعادة فرض سيطرة الدولة على المطار والمرافئ والمعابر والقطاع المالي، بعدما شكّلت هذه المرافق، لسنوات، نقاط ضعف استغلها الحزب في إدارة جزء من منظومته اللوجستية.
وبحسب المصدر، رفعت الدولة مستوى الرقابة في مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت ومعبر المصنع، عبر إدخال أجهزة تفتيش حديثة وتشديد التدقيق في حركة المسافرين والبضائع والأموال، ما أدى إلى تضييق هامش التهريب عبر المنافذ الرسمية ورفع كلفة أي محاولة للالتفاف على الإجراءات.
وترافق ذلك مع تشديد الرقابة على الحدود اللبنانية – السورية، في وقت تغيّر فيه المشهد على الجانب السوري بعد سقوط نظام الأسد. فالحزب الذي اعتاد استخدام الأراضي السورية كجسر بري بين إيران ولبنان، وجد نفسه أمام واقع مختلف، بعدما فقد الغطاء الذي كان يتيح له التحرك بحرية على هذا الخط، ما أدى إلى تراجع كبير في قدرته على استخدام واحد من أهم شرايين الإمداد التي اعتمد عليها لسنوات.
ولم يقتصر الأمر على الحدود، إذ شكّل قرار منع الطائرات الإيرانية من الهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي محطة مفصلية، بعدما أُقفل أحد المسارات التي كانت تُستخدم، بحسب المصدر، لنقل الأموال والذهب والمواد الداعمة للحزب، بالتزامن مع تراجع إدخال الأموال النقدية عبر المطار وتشديد الرقابة على حركة الذهب والبضائع.
كما انعكس هذا الواقع على شبكات تهريب المخدرات، حيث تراجعت، وفق المصدر، حركة الكبتاغون والحشيشة المرتبطة بمسارات التهريب التي كانت تنشط عبر الحدود والمرافئ.
لكن الشرايين لم تُقفل بالكامل. فبحسب المصدر، لا تزال بعض خطوط التهريب البرية الممتدة من العراق إلى لبنان تعمل، إلا أنها لم تعد تشبه ما كانت عليه في السابق. فالمسارات أصبحت أطول وأكثر تعقيدًا وكلفة، فيما تتحرك تحت أنظار أجهزة استخبارات إقليمية، ولا سيما التركية، التي تتغاضى عن بعضها في مراحل معينة، وفق المصدر.
ويؤكد المصدر أن تراجع قدرة الحزب على استخدام مسارات التهريب التقليدية ترافق مع تضييق خارجي على مصادر تمويله، إضافة إلى تداعيات الحرب التي تعرضت لها إيران، ما أدى إلى تقلص موارده المالية بصورة ملحوظة مقارنة بالسنوات الماضية.
وأمام هذا الواقع، لم يعد أمام الحزب الاعتماد على قناة واحدة لإيصال الأموال. فتوزعت حركة التمويل بين العملات المشفرة، وشبكات الحوالة، والذهب، والنقد المحمول، في محاولة لضمان استمرار التدفقات المالية حتى لو سقط أحد هذه المسارات.
ويشير المصدر إلى أن نظام “الحوالة” بات يؤدي دورًا أكبر من السابق، مستفيدًا من شبكة من الصرافين والوسطاء تعمل خارج النظام المصرفي التقليدي، فيما أصبحت العملات المشفرة إحدى الأدوات التي يلجأ إليها الحزب للالتفاف على القيود المفروضة على التحويلات المالية.
وفي هذا الإطار، يكشف المصدر الأمني أن السلطات القضائية اللبنانية أوقفت خلال فترة قصيرة نحو 100 صراف، قبل أن يُخلى سبيل عدد منهم بعد دفع كفالات وتوقيع تعهدات بالالتزام بالقوانين اللبنانية، في خطوة هدفت إلى تشديد الرقابة على قطاع الصرافة والحوالات المالية وتقليص استخدامه في عمليات غير مشروعة.
ولم يقتصر التضييق على المعابر وشبكات التمويل، بل امتد إلى داخل المؤسسات الرسمية، حيث شهدت الأجهزة المشرفة على المطار والمرافئ والمعابر إعادة هيكلة شملت نقل عدد من الموظفين والمسؤولين، بالتوازي مع فتح تحقيقات بحق أشخاص يُشتبه في تسهيلهم مرور بضائع أو أموال أو مجوهرات لمصلحة شبكات مرتبطة بالحزب.
ويعتبر المصدر أن التحول الأهم لا يكمن في تركيب أجهزة التفتيش أو إصدار القرارات الإدارية فحسب، بل في تبدل البيئة الأمنية داخل لبنان. فخلال السنوات الماضية، كان عدد من التجار والشركات والصرافين يتعاملون مع الحزب مستفيدين من قدرته على توفير الحماية والغطاء، أما اليوم فقد تراجعت هذه القدرة، وبات كثيرون يفضلون الابتعاد عن أي علاقة قد تعرّضهم للملاحقة الأمنية أو القضائية أو للعقوبات.
ويختصر المصدر المشهد بالقول إن “حزب الله” لم يفقد قدرته على التمويل أو التهريب، لكنه فقد ما كان يميز منظومته طوال السنوات الماضية: سهولة الحركة. فكل دولار يصل إليه اليوم يحتاج إلى طريق أطول، ووسطاء أكثر، وكلفة أعلى، ومخاطر أمنية وقضائية أكبر، فيما لم يعد قادرًا على منح المتعاملين معه مستوى الحماية الذي كان يوفره في السابق.
لذلك، لا تكمن أهمية ما يجري في إقفال معبر أو منع رحلة جوية أو توقيف صراف، بل في أن هذه الإجراءات، مجتمعة، بدأت تضيق الشرايين التي قامت عليها المنظومة المالية واللوجستية لـ”حزب الله” على مدى عقود.
