تشكل الحروب أحد أبرز العوامل التي تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، إذ تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات من خلال ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطّل حركة التجارة، وزيادة معدلات التضخم والبطالة. وفي ظل تصاعد التوترات الدولية من مضيق هرمز الى باب المندب يبدو المشهد المستقبلي للاقتصاد العالمي سوداوياً ، وفي هذا السياق، يعرض مدير المركز الاقتصادي والاجتماعي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور أحمد جابر رؤيته حول انعكاسات الحروب على الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأمريكي.

ويرى الدكتور جابر، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن الحروب تترك دائمًا آثارًا جانبية مدمّرة، وأن الشعوب تكون الخاسر الأكبر على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، في حين يستفيد منها المرتزقة وأصحاب المصالح الضيقة.

ويؤكد أن الحرب الراهنة تزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي، الذي كان يعاني أساسًا من حالة إنهاك قبل اندلاعها، ويشير إلى أن العالم كان يتجه نحو ضرورة قيام نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يفرض قدرًا أكبر من العدالة في توزيع الموارد، إلا أن التطورات الأخيرة زادت من تعقيد المشهد الاقتصادي.

ويضيف أن الضغوط التي تطال مضيق هرمز وسائر الممرات البحرية أدخلت العالم في مرحلة “حرب المضائق والممرات”، ما جعل الجغرافيا اليوم أكثر أهمية من الاقتصاد، لأن الصراع بات ذا طابع جيو-اقتصادي أكثر منه جيو-سياسي.

ويتابع أن الاقتصاد العالمي يرزح تحت أعباء الحروب، التي أدت إلى أزمة في الطاقة وارتفاع أسعار النفط، وهو ما انعكس على أسعار مختلف السلع، باعتبار أن النفط سلعة استراتيجية تدخل في إنتاج معظم المنتجات، كما أسهمت الحرب في زيادة كلفة النقل والتأمين والمواد الأولية، الأمر الذي رفع أكلاف الإنتاج، وأدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وانخفاض القدرة التنافسية للمنتجات والمصانع.

ويشير إلى أن فرص العمل تراجعت بشكل كبير، فيما ارتفعت معدلات الفقر والبطالة واتسعت الفجوة الاجتماعية، مؤكدًا أن جميع هذه المؤشرات تدل على أن الحروب تُخلّف خسائر متفاوتة تطال الجميع، ويشدد على أن كل من ينخرط في هذه الحروب هو خاسر في نهاية المطاف، حتى وإن توهّم البعض وجود رابح، لأن الشعوب هي التي تدفع الثمن الحقيقي من خلال تراجع مستوى معيشتها، وتآكل قدرتها الشرائية، وتفاقم الأعباء الاقتصادية.

وفي ما يتعلق بالاقتصاد الأمريكي، وما إذا كان سيتأثر بالحجم نفسه الذي تأثر به الاقتصاد الإيراني أو اقتصادات المنطقة، يرى جابر أن إشعال الحروب يأتي في إطار محاولة مواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالولايات المتحدة منذ عام 2008، والتي تتمثل في ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع نسب النمو، وارتفاع الدين العام وكلفة خدمته، معتبرًا أن هذه المؤشرات تعكس وضعًا اقتصاديًا غير صحي.

ويقول إن الولايات المتحدة تعلن أنها تعالج أزماتها وفق آليات السوق القائمة على العرض والطلب، وأن هذه الآليات كفيلة بإعادة التوازن تلقائيًا، إلا أنه يعتبر أن هذا الطرح يبقى نظريًا، لأن الاقتصاد الأمريكي كان قادرًا على التعافي لو تمسكت واشنطن بالاقتصاد الإنتاجي، لكنها، بحسب رأيه، تخلت عنه لصالح الاقتصاد الريعي، وركزت على الأسهم والسندات والأسواق المالية، ما أدى إلى إضعاف الإنتاج الزراعي والصناعي.

ويضيف أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على آليات السوق لإعادة التوازن، بل أصبحت، وفق تقديره، تسعى إلى تصدير أزماتها عبر إشعال الحروب، أملاً في الاستفادة من نتائجها، إلا أن هذه النتائج جاءت كارثية، ولم تنجح في احتواء التضخم، رغم المحاولات التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من خلال السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم، لكن لم تحقق هذه الإجراءات النتائج المرجوة.

ويؤكد أن الاقتصاد الأمريكي كان يعاني حتى قبل اندلاع الحرب، نتيجة أزمة بنيوية كان ينبغي معالجتها من خلال إصلاحات اقتصادية، إلا أن محاولة المعالجة عبر إشعال الحروب أدت، بحسب رأيه، إلى إشعال المنطقة وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي بأسره.

وعن احتمال ارتفاع معدلات التضخم عالميًا، يرى جابر أنه طالما استمرت أجواء الحرب، فإن أسعار النفط ستواصل الارتفاع، وهو ما سينعكس تلقائيًا على أسعار السلع، ويؤدي إلى زيادة معدلات التضخم.

ويعتبر أنه لا توجد في المرحلة الحالية معالجات اقتصادية حقيقية، لأن مواجهة التضخم تتطلب تكامل السياسات النقدية والمالية والإنتاجية، في حين أن معظم الدول تعاني اليوم من أزمات اقتصادية وديون سيادية تحدّ من قدرتها على رسم وتنفيذ سياسات فعّالة لمعالجة التضخم وسائر الأزمات الاقتصادية.

ويختم بالتشديد على أن المدخل الأساسي لأي معالجة اقتصادية يبقى في تحقيق الاستقرار ووقف الحرب، بما يسمح بوضع سياسات اقتصادية متكاملة تعيد التوازن إلى الاقتصادالعالمي.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version